تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فضلا عن أهل العلم المتخصصين، ونحن نعلم أن العصور متقلبة والأزمنة متغيرة من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يزال كل قرن يستقي من القرن الذي سبقه ويفيد منه أحكاماً وفتاوى ومسائل تكلم فيها السابقون.

والشيخ عبد القادر نفسه الذي نقل عنه الناشرون بأنه يقول: (إنني لست عالماً ولا مفتياً ولا مجتهداً في الشريعة)، قد ملأ كتبه السابقة بل ووثيقة ترشيده بالنقولات والنصوص الطويلة والمختصرة عن علماء السلف والخلف واستعملها في كلامه للتدليل على وقائع محددة ومسائل جزئية واقعية لا يخرج الحديث عنها بحال عن كونه (فتوى) والتي (هي معرفة الواجب في الواقع) كما قال في وثيقة الترشيد، ومهما حاول التنصل من أن كثيراً مما جاء في كتبه هو فتوى صريحة في وقائع محددة فإن هذا لا يغني شيئاً، بل كتبه كالعمدة والجامع في طلب العلم الشريف وغيرها من الرسائل معظمها منصب على الحديث حول أحكام شرعية متعلقة بالواقع تعلقاً مباشراً، فإذا كان قد حكم على نفسه بأنه ليس عالما ولا مفتيا ولامجتهدا في الشريعة، وبين لنا في وثيقة الترشيد أنه (لا يجوز العمل بما في كتب العلم إلا بفتوى من مؤهل لذلك، بصير بالشرع وبحقيقة الواقع) فليقل لنا ما الذي يفعله بهذه الوثيقة، وماذا نفعل بمئات إن لم تكن آلاف النصوص التي اقتطعها من كتب أهل العلم الأولين والآخرين وعزز بها "فتاواه" وأيد تقريراته، بل ورد على عشرات العلماء الأولين الراسخين في مسائل شرعية متعددة، فإن كان كل ما ما فعله ويفعله الشيخ عبد القادر من نقل لنصوص علماء السلف والخلف، واستعانة بها في تقوية الأحكام التي يقررها وينشرها، إن لم يكن هذا هو عين ما ينكره على المجاهدين فما هو، أم أن هذا حلالٌ له لا تبعة عليه فيه مع أنه ليس بمؤهل لأنه كما حكم على نفسه –حسب قول الناشرين -بأنه ليس (عالماً ولا مفتياً ولا مجتهداً في الشريعة)، وحرامٌ على المجاهدين لأنه اكتشف لهم اليوم أن ما دونه السلف قد كتب لزمان غير زماننا فعليهم الاحتياط، فما بال بائك تجر وبائي لا تجر!

فالشاهد من هذا كله أن هذه الوثيقة تريد أن تقول للمجاهدين بالتلويح أو التصريح، اقطعوا صلتكم بكتب السلف وعلومهم وفهومهم وفتاواهم، وانظروا لواقعكم نظرة مستقلة مبتورة عن ماضيها، منفصلة عن نظرة أسلافكم، وقرروا من الأحكام ما يناسب حالكم، ويوافق أهواءهكم – إن لم تكن أهواء حكامكم -، فلقد رأينا ما أصاب كثيراً من الجماعات الإسلامية بل وبعض من ينتسبون إلى العلم باسم المعاصرة والتكيف مع الواقع ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ الصف5، والسعيد من وعظ بغيره.

التبديد لأباطيل وثيقة الترشيد · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التبديد لأباطيل وثيقة الترشيدص ١٦