أما من قتل نفسه مجاهداً في سبيل الله يهدف من وراء ذلك النكاية في أعداء الإسلام وإثخان الجراح بهم وتكبيدهم الخسائر الباهظة، أو إدخال الرعب في قلوبهم، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار حين يشاهدون جرأة المسلم وشجاعته في سبيل الله، أو كان قصده تجرأة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه، أو يكون قصده إرهاب أعداء الله ليعلموا صلابة المسلمين في الدين، أو نحو ذلك من المقاصد الحسنة، فلا يتناوله عموم النهي الوارد في حرمة قتل النفس لاختلاف المقاصد والنيات، فمقصد الذي يقوم بالعمليات الإستشهادية هو مقصد أخروي يبتغي بذلك وجه الله، وإنما يفعل ذلك طلباً للشهادة وللقتال في سبيل الله، مع غلبة ظنه على تحقق المصلحة الشرعية من مثل هذه العمليات، فتلف النفس لإعزاز الدين ولإهلاك الكافرين مقام شريف مدح الله به المؤمنين في قوله تعالى: (إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بِأنّ لهم الجنة ... (الآية [التوبة: 111].
يوضح ذلك أنّ الأحاديث التي ورد فيها الوعيد على قاتل نفسه ليست في الجهاد والتعرض للشهادة، إنما هي في حق من قتل نفسه بحديدة أو سمّ تحساه أو استعجل الموت أو بسبب ضر دنيوي نزل به كما أسلفنا.
فمنها ما رواه البخاري في صحيحه (الفتح 10/ 247 (في كتاب الطب باب شرب السمّ والدواء به وما يخاف فيه والخبيث برقم (5778) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تحسّى سمًّا فقتل نفسه فسمّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)).
وله في كتاب الجنائز باب ما جاء في قاتل النفس (الفتح، 3/ 226 - 227) برقم (1363) عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال ومن قتل نفسه بحديدة عذِّب به في نار جهنم)). ورواه أيضاً في كتاب الأيمان والنذور - باب من حلف بملة سوى ملة الإسلام (الفتح 11/ 537 ح 6652) بلفظ: ((ومن قتل نفسه بشيء عذِّب به في نار جهنم ... )). وله أيضاً في كتاب الجنائز باب ما جاء في قاتل النفس برقم (1364) عن جندب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة)). وبرقم (1365) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار)).
قلت: لا يجوز حمل هذه الأحاديث على من يقوم بالعمليات الإستشهادية، ذلك أن الانتحار المحرم شرعاً في الكتاب والسنة هو في من قتل نفسه بسبب ضر دنيوي أو للأسباب الآنفة الذكر، وقاتل نفسه لتلك الأسباب مرتكب للكبيرة عاص لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم بخلاف الذي يقدم نفسه رخيصة في سبيل الله وفي حب الإستشهاد، فالتسوية بينهما كالقياس مع الفارق، وأنّى يستويان، فقاتل نفسه من أجل دنيا أو بسبب ضر دنيوي، قتل نفسه في سبيل الشيطان والطاغوت لقلة إيمانه بقضاء الله وقدره، وأما الذي يقتل نفسه أو يعرضها للهلاك والتلف في سبيل الله إعزازاً لدين الله وإضعافاً لأعدائه وإحقاقاً للحق وإزهاقاً للباطل، وتقوية لشوكة المسلمين، وإضعافاً لشوكة الكافرين وقمعاً لباطلهم وسعياً إلى تقويض سلطانهم، لا يمكن بأي حال قياسه بمن ينتحر من أجل نفسه وهواه.