الحقيقة، كنتُ أفّضل التأمل والاستغراق في التفكير على مبادلته الحديث في مواضيع عادية تلوكها الألسن عشرات المرات يومياً، فأنا رجل صموت، مثلما أسلفتُ، قادني الرعب واليأس إلى الصمت، ومع أنني كنتُ أجد دوماً من تشاركني ليلتي تحت ضوء الشمع المحترق، إلا أنني كنتُ أورث خليلاتي الحزن عندما لا أجد الكلمات الجميلة التي أستبقيهن بها. ومع أنني كنتُ أتشبث بأذرعهن. وأسفح الدمع تحت و طأة الألم الدامي، إلا أنهن يهجرنني ولايرجعن إليّ ثانيةً. معظمهن يحدوهن أمل كبير في سماع كلمات لطيفة تخرج من بين شفتي فيما نحن نجلس متقابلين في شقتي الأرضية الصغيرة عفواً..، اقصد شقتي الواقعة تحت الدرجات الاسمنتية.. الواقع، إن هذا الخطأ صار يرتكبه عشرات الأفراد، حيث خيّل لهم أنهم يعيشون على سطح الأرض، وقد ظنوا بمرور الأيام، إن هذا هو شكل حياتهم، وأن لاسبيل إلى تغييره، ولا جدوى من أن يحلم المرء بحياة ثانيةً خارج النفق. صامتاً ألوك لقمتي، أو سندويتشتي، إن شئت. غالباً أشتري سندويتشات الباذنجان من مطعم للأكلات السريعة لايبعد كثيراً عن الشقة التي اخترتُ السكن فيها منذ أن وجدتُ نفسي مرغماً على الإقامة هنا. ومايثير دهشتي، أن بعض الناس ظلوا يتزوجون وينجبون الأطفال رغم أن مآسي النفق تزداد يوماً إثر آخر.
في اعتقادي، حان الوقت الآن، للحديث عن مطاعم البانجان. وقبل كل شيء، أود أن أذكر أن بعض تلك المطاعم حملت أسماء ميثولوجية تارةً وتاريخية تارةً أخرى. أما الفئة الثالثة فقد حملت أسماء شاعرية مثل: القلوب الكسيرة، الحضن البشري، دلتا الغرام. على أن المطاعم كلها كانت تقدّم نوعاً واحداً من الخبز المر، خبز أسمر يلوكه الجميع بوجوه تتقاطع عليها ظلال الشقاء والحرمانات العديدة؛ ظلال كثيفة حفرتْ أخاديداً عميقةً في سحناتهم التي باتت كسحنات الأشباح أو الخارجين من القبور.
مطاعم الباذنجان ماهي إلا أكشاك صغيرة تشبه إلى حدٍ كبير أكشاك الهواتف العمومية، أو أكشاك الصحف القديمة (لم نعدْ نطالع صحفاً جديدة، للعلم).. مطاعم الباذنجان خالية من المناضد، طبعاً، ثمة ألواح خشبية مثبتة على الجدران، ألواح بعرض ثلاثين سنتيمتراً تقريباً، وضعتْ عليها عبوات الملح المغشوش، وقناني الصاص أو العنبة، فبعض مواطنينا يحبون تناول سندويتشاتهم مع هذه التوابل.