تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عندما كنتُ أجري القرعة في فصل الصيف، كانت أصابعي تصل دوماً إلى مرآة شذى، فكنتُ أفرح فرحاً عظيماً، ويخفق قلبي باضطراب، وكأنني على موعد قريب معها في "متنزه المتبني"، أو في كازينو المرطبات أسفل العمارة.

لايذهبن بكم الظن أنني كنت أحتفظ بالمرايا ردحاً طويلاً من الزمن.. لا.. فالألوان الجميلة لشفاه خليلاتي سرعان ماتبهت وتزول نهائياً.. لكنني كنتُ أحتفظ دوماً بمسحات شفاه جديدة على مرايا الفم. هناك دوماً مسحات قديمة زائلة ومسحات جديدة طازجة. ثمة عذارى يخرجن من عالمي وأخريات يستللن إليه أو يدخلن من أوسع الأبواب. غالباً تطلب مني إحداهن أن أطبع قبلةً على شفتيها، لأنها سترحل عما قريب، أو ستتزوج في غضون أسابيع قلائل.

كنتُ ألبي الطلب طبعاً.. لكنني في اليوم نفسه، ربما بعد ساعة أو حتى أقل من ذلك، أتخاصم مع إحداهن وأهشم قدح الآيس كريم.. "قبلة في الشفة وطعنة في القلب"3-.

انعقدتْ بيني وبين المرايا صلاة حميمة سرية. كنتُ أضع المرآة على راحة يدي وأحدّق بها. وفي بعض الأحيان، حين يسكنني الحنين، أضم المرآة إلى صدري، وأهمس لها لواعج قلبي، أبوح للمرآة ماتعذر عليّ أن أبوح به لصاحبتها.. كنتُ أقول دوماً لمرآة شذى: يطيب لي أن أتحدث إليكِ حديثاً خاصاً، لأن صاحبتك تتمتع بعقل راجح وأنوثة طاغية.. وأقول لمرآة بان: اسمعي، عزيزتي، أنتِ خفيفة الظل، رقيقة الروح، ناعمة شأنكِ شأن بشرة بان.. لكنك للأسف، تنفجرين غضباً، من غير سبب، وتتهشمين بسرعة.

وأخيراً جاءت سوزان.

كانت تلك أول زيارة لها. الوقت مطلع تشرين الأول (أكتوبر)، الطقس معتدل، الرياح شمالية شرقية خفيفة.. يروق لي دوماً أن ألتقي بأناس جدد وفتيات جميلات في خلال هذا الشهر من السنة؛ فمزاجي أنا شخصياً، في الأقل، يكون حينئذ رائقاً صافياً لايعكره شيء، البتة، بحيث أن خليلاتي يلححن كثيراً على المعالجة في خلال هذا الشهر الجميل.

سوزان لم تكن ترتدي فستاناً، بل قميصاً قطنياً أبيض اللون وتنورة رمادية واسعة جداً. كانت تنورتها قد انسدلت على الجانبين، حتى كادت تمس رقعة الداما لا أدري لماذا شغف معماريونا ومهندسونا حباً بنقش رقعة الداما بحيث يندر أن تجد عمارة أو قاعة من قاعات مدينتنا تخلو من هذا النقش.

قلتُ لها بأدب: "آنستي، هلا تفضلتِ ورفعتِ ذيل تنورتك، أقصد ذيل الدانتيلا؟".

الطائر · الصفحة ٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الطائرص ٥٩