تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولأنني لا أحب أن أزعج مريضاتي فقد أنهيتُ النقاش، وهذه عادتي أصلاً، بعبارة واحدة: "اسمعي، خلاصة القول، اشترِ أجمل وأغلى مشبك شعر وسأدفع لك ثمنه.. وحمداً لله فأنتِ أضعتِ شيئاً يمكن تعويضه، فما بالك تفعلين إذا ما فقدتِ شيئاً قد لا يعوّض أبداً؟"

نظرتْ إليّ الفتاة نظرةً شاردة. خفضت رأسها فانسدل شعرها كالشلال وغطى نصف وجهها. استدارتْ على عقبيها وانصرفت. لم ترجعْ إليّ ثانيةً. انتظرتُ أسبوعاً وشهراً وسنة. إلا أنها لم تعدْ أبداً. لعلها أدانتْ نفسها على تلك الوقاحة والفظاظة، أو ربما اكتشفت أن لعبتها الذكية لم تجدْ معي نفعاً. ذلك أن بعض الناس يحسبون أن المشاكسة دليل ساطع على قوة الشخصية. وإن تلك الفتاة السمراء افتعلتْ تلك القصة البائسة كي تبقى ذكراها راسخةً في بالي.. وربما يتحول حديثنا القاسي بعد حل مسألة مشبك الشعر حلاً سلمياً إلى حديث رقيق وناعم.. ومن ثم.. في اعتقادي أن الفتاة ربما تكون قد جربتْ هذه اللعبة الذكية مع طبيب آخر.. أو ربما مع صاحب مخزن إكسسوارات أو تاجر ألبسة جاهزة.. أو لعلها كفتْ عن ممارسة اللعبة إلى الأبد واختارتْ بدلاً عنها لعبةً أخرى: أكثر ذكاءً وأكثر مكراً.

وأود أن أذكر في هذا السياق، أيضاً، أن العذارى الجميلات لم يتركن في عيادتي تلك الحاجات الشخصية التي ذكرتها آنفاً وحسب؛ بل تركن أيضاً عطورهن الفرنسية، شذى فساتينهن، قمصانهن القطنية، قمصانهن الحرير المزركشة. تركن حبات الهيل التي طيّبتْ أنفاسهن.. كما تركن أولاً وقبل كل شيء، على مرايا الفم، أحلى المرايا التي رأيتها في العالم كله، وأثمن المرايا التي اقتنيتها في خلال سني حياتي، تركن على تلك المرايا الصغيرة، أو لعلها أصغر المرايا في العالم، مسحات شفاههن.. شفاههن الريانة، المكتنزة، الحزينة، الصامتة؛ شفاههن اللاتي بلون شقائق النعمان، شفاههن اللاتي تعطرت بحبات الهيل، وعطرتها بدوري باليوجينول(2).

كنتُ أحتفظ بمرايا العذارى في حقيبة خاصة، حقيبة جلدية خصصتْ أصلاً لحفظ أدوات منزلية صغيرة كالملاعق والشوكات.. كنت أضع رمزاً بالقلم الماجك على كل مرآة أستخدمها في فم كل واحدة من العذراوات.

الطائر · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الطائرص ٥٤