وكما ذكرت آنفاً، وقعتْ لي أحداث مثيرة. من ذلك أن فتيات كثيرات في ميعة الصبا، أو سيدات مكتملات الأنوثة، نسين عندي حاجياتهن الخاصة: محفظات جلدية أنيقة، مناديل صغيرة موّردة، أمشاط ملونة، مشابك شعر جميلة.. بطبيعة الحال، كانت تلك المشابك المرصعة باللؤلؤ والمحار والكريستال والكهرمان والشذر وما إلى ذلك تسقط في خلال حركات رؤوسهن.. على أنهن كن يرجعن ثانيةً بعد مرور أيام أو أسابيع أو حتى شهور عديدة ليسألن عنها.. والحق كان بعض تلك المشابك قطع نفيسة، أو كنوز ثمينة.. كنت، طبعاً، أسلّم المشبك الضائع إلى صاحبته. تأخذه الفتاة أو السيدة ببسمة خفيفة وهزة رأس لطيفة مصحوبتين بكلمة اعتذار أو شكر.
ذات مرة، في خلال النصف الأول من الثمانينيات، على الأرجح، جاءتني شابة سمراء نحيلة غاية النحول وقالت لي أنها أضاعتْ مشبك الشعر في عيادتي. أعلنت هي: أن مشبك الشعر الضائع جاءني كهدية من شقيقي الرسام العراقي المقيم في روما.. إنه تحفة فنية، ولابد أنك تعرف أذواق الفنانين ورهافة أحاسيسهم. أريتها مشابك الشعر التي حفظتها في درج من أدراج خزانتي الزجاجية. لا أذكر الآن، كما كان عددها يومئذ، خمسة أو ستة، في الأرجح.. نفتْ هي بانزعاج أن يكون مشبكها الفريد واحداً من تلك المشابك العادية، المبتذلة، وأصرتْ على القول أنها أسقطتْ المشبك على الكرسي في خلال المعالجة. الواقع، كانت تلك الفتاة وقحة غير أنني لم أكنْ أذكر أنني عالجتها يوماً.. وهذا ما يحصل لي، غالباً، فهنالك مرضى ما أن يغادرون عيادتي حتى أنساهم.. وهذا ما سبب لي الحرج في بعض الأحيان.. على أي حال، في ذلك الوقت، لا أدري ما هو السبب، خطر ببالي أن أغيظ تلك الفتاة السمراء. فقلتُ لها في بادئ الأمر: "عزيزتي، الذنب ذنبك، أنا لم أطلب منك أن تحلي شعرك.. كل ما نطلبه منكن هو أن تفتحن أفواهكن وتتحلين بالسكينة لأن العلاج سيكون بلا ألم.. فما ذنبي، إذاً، إن أضعتِ مشبك شعرك، أعني التحفة الفنية النادرة التي أُرسلت إليك من روما." زعقتْ بوجهي، الحق الحق أقول لكم أني استغربت تلك الوقاحة من فتاة لم تزل في ميعة الصبا.. قالت: "هل تسخر مني دكتور؟ أتظنني مغفلةً كي أخرج من هنا دون أن أحصل على مشبك الشعر؟"