أشار على سائق سيارة كبيرة، غريبة الشكل، بالتوقف. أوقف السائق سيارته الصفراء قرب الرصيف.. انحنى الرجل ذو القميص الأبيض، شد الشحاذ من شعره، انتزعني كمن ينتزع جذراً، أعاد الرأس إلى الأرض.
كان الرجل ما يزال يغط في النوم. مشى خطوات قلائل ورماني في الجزء الخلفي من السيارة الصفراء. وفي لحظات شرعت السيارة تتحرك. حاولتُ النظر إلى الشحاذ لكنني كنتُ في جوف السيارة ولم أرَ شيئاً. بعدها، يا ويلي، يا لحظي العاثر، شعرتُ أن شيئاً ما ينزل عليّ ويكبسني بقوة، وبلا رحمة. وفي الحال، شعرتُ أن ستاراً أسود ينسدل عليّ إلى الأبد.
الكوت 1995
((
الهولندي الطائر
(1)
أنا رجل عاطفي، أهوى ثلاثاً: الموسيقى، الآيس كريم، والنساء..
ولأنني أعشق الموسيقى فأنا أُسمع مرضاي ألحاناً عذبةً، بينما هم ينتظرون دورهم في الصالة الواسعة.
الواقع، أن أغلب مرضاي من الجنس الناعم؛ فتيات بين السادسة عشرة والخامسة والعشرين، وسيدات في سني زواجهن الأولى..
أنا، بطبيعة الحال، لا أخذل أية شابة أو سيدة، تكن لي عاطفةً حقيقية، أو إعجاباً مخلصاً. فأنا أعتقد اعتقاداً راسخاً أن من الحقارة ألا نبادل القوارير مشاعرهن الصادقة، ولو من باب الأدب واللياقة.. على أنني لا أكتفي بذلك البتة، بل ألجأ إلى ملاطفتهن كما أكتب لهن كلماتٍ رقيقةً على أوراق الوصفات الطبية.. لكنني، مع ذلك، لا أطيق أصوات الجميلات الراعشة المبللة بالدمع.. فأنا، ببساطة، بعد أن أسمعهن سونيتاتي العذبة وبعد أن أكتب لهن القصائد الجميلة على الورق الصقيل، سرعان ما أخطف نفسي من عالمهن، من غير أن أترك في أفئدتهن جروحاً بليغةً، ومن غير أن أخلف في نفوسهن ذكرياتٍ مريرةً وموجعة.. مع أن ذكرى أقداح الآيس كريم التي أتناولها معهن أسفل العيادة تظل أثيرةً إليهن، ويبقين يتذكرون طعم الشوكولاته، حتى بعد الزواج أو الرحيل.. كما أسرّتْ إليّ ثلاث منهن، أرسلن لي خطابات من ثلاث مدن عريقة: روما، دمشق، البصرة.