لم يأتِ إليّ رجل محترم أو امرأة محترمة، بل شحاذ أشعث الشعر، يرتدي دشداشةً رثةً حائلة اللون، ذات جيب صدر ممزق إلى النصف. وقف قبالتي. رفعني وشرع يتأملني بإمعان.
قال الشاب الذي يلبس النظارة الشمسية: "ضع البضاعة، أيها الخروف الأجرب."
ذهل الشحاذ. لم يقل شيئاً. انتزعني الشاب من بين يديّ الشحاذ بقوة هاتفاً بسخرية: "اتركها أيها القذر.. اجعل من نعليك وسادةً لك. هذا إذا لم تكن حافي القدمين!!".
لم يردْ الشحاذ بشيء. أعادني الشاب إلى مكاني فوق عدد من البطانيات السمكية التي نقشت عليها نمور ملونة.
فتح الشحاذ كفه اليمنى القذرة، الرطبة. كان فيها بضع أوراق مالية.
قال الشحاذ: "لم انتزعتها مني؟ خذ ثمنها. كم ثمنها؟"
رد الشاب ذو النظارة الشمسية: "مائة دينار لا غير."
ضحك الشحاذ ضحكةً بلهاء. فتح فمه المتسخ على وسعه، بانتْ أسنانه الصفر الكبيرة. قال بنبرة ألم: "خذ مائة دينار إذاً. وأعد لي الباقي."
استل الشاب ورقة مالية فئة مائة دينار. رفعني الشاب ورماني إلى صدر الشحاذ قائلاً بارتياح: "خذ البضاعة إذاً. أحلاماً سعيدة. Sweet dreams."
أخذني الشحاذ تحت ذراعه. صدمتني رائحته. كانت نتنة ومقززة.
سار بي مسافةً. توقف قرب عربة خشب يلتم حولها صبيان يمدون أيديهم ويأخذون مخاريط فيها ثلج أحمر قان.. مرت من هناك فتاة ترتدي قميصاً أخضر فاتحاً، يطوّق كتفيها شاب أنيق الملبس، يعتمر قبعة من القش.
اصطدمتْ الفتاة بي. فصرخت مذعورةً: "يا للتعاسة!! شحاذون يحلمون!!"
ضحك الشاب الأنيق ضحكةً صافيةً، أنزل ذراعه من حول كتفيها. قادها من يدها متحاشيين الشحاذين، الباعة الصغار، أصحاب عربات الخشب. أخذني الرجل النتن إلى رصيف ترامت عليه الظلال. كان المكان بارداً بعض الشيء. طرحني أرضاً قريباً من جدار مطلي بالأبيض. ثم تمدد على الرصيف وأراح رأسه الأشعث فوقي. أحسستُ بالقرف. ضقتُ ذرعاً برائحته الزنخة.
مر رجل في الأربعين، في ذقنه شامة كبيرة، يحمل بيده اليمنى كتاباً سميكاً. حدق بالرجل المستلقي على الرصيف الذي سرعان ما أغفى في ذلك الظل البارد، وانكشفت ساقاه القذرتان، النحيلتان، الناتئتا العظام، وسرواله الداخلي الأبيض. هز رأسه عدة مرات وهو يتحدث بصوت أقرب إلى الهمس: "نامي جياع الشعب نامي.."
بعد قليل أقبل رجل يرتدي قميصاً أبيض، متسخاً وربطة عنق زرقاء متسخة أيضاً. نظر إلى الرجل النائم شزراً، قلب شفتيه بامتعاض.