والقلب كما يوجه صاحبه للإيمان والهداية إذا استقام على الفطرة، وتدبر آيات الله واستفاد منها، يوجه صاحبه كذلك إلى المعصية والضلال إن بعد عن فطرته. وانشغل بالهوى والشهوات وحينئذ يكون مصدر الكفر لقوله تعالى: ((وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)) [البقرة:93].
ومحل الشك والريب لقوله تعالى: ((إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ)) [التوبة:45].
ومحل التعصب وحمية الجاهلية لقوله تعالى: ((إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)) [الفتح:26].
يقول النيسابوري: "القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان وصالح لأن يميل إلى الكفر وكل منهما يتوقف على داعية ينشئها الله تعالى فيه، إذ لو حدثت بنفسها لزم سد باب إثبات الصانع فإن كانت داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والريبة وغيرها مما ورد في القرآن، وإن كانت داعية الإيمان فهو التوفيق والرشاد والهداية والتثبيت والعصمة ونحوها"(1). ثم استشهد بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء "(2).
ومن هنا قيل سمي القلب قلباً لتقلبه وتغايره.
وعلى هذا سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربّه -عز وجل- أن يثبت قلبه على طاعته قائلاً: " اللهم مصرف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك "(3).
وفي هذا الفصل سوف نتحدث عن الآداب التي محلها القلب وسيأتي مكوناً من مبحثين هما:
المبحث الأول: الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثاني: محبته صلى الله عليه وسلم.
وذلك فيما يلي:
(1) غرائب القرآن، (3/131-132).
(2) صحيح مسلم، كتاب القدر، بات تصريف الله القلب كيف شاء (4/2045).
(3) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله القلب كيف شاء (4/2045).