يعتمد المتشابه على السياق اعتماداً ظاهراً، ويعتبر السياق هو عمدة حل المتشابه وركنه الأساس؛ إذ أن أعظم معنى يظهر الفرق بين الآيات المتشابهة هو العلم بمقاصد الآيتين أو المقطعين وأغراضهما، وهذا هو السياق. كما أن المتشابه يجلي السياق من جهة ما يتضمنه من وجوه الاختلاف في التعبير. فظهر بذلك أن بينهما علاقة مشتركة.
قال صاحب رسالة دلالة السياق وأثرها في توجيه المتشابه اللفظي: "ومن فوائد علم المتشابه اللفظي عونه في الكشف عن السياق، هذا مع أن السياق يطلب له" ([5]).
ويتجلى ذلك بالأمثلة:
المثال الأول: في توجيه قوله في أمر مريم في سورة الأنبياء (آية 91) +فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا" فأضاف النفخ إلى جملتها، وفي سورة التحريم (آية12) +فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا" فأضاف النفخ إلى فرجها.
وقد وجه الخطيب الإسكافي الآية بالنظر في السياق فقال": لما كان القصد في سورة الأنبياء عن حال مريم وابنها، وأنهما جعلا آية للناس، وكان النفخ فيها مما جعلها حاملاً، والحمل صفة للجملة .. فلما كان القصد التعجب من حاليهما، وأنها بالنفخ صارت حاملاً، ردّ الضمير إلى جملتها .. أما قوله في التحريم +وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ" [التحريم 12] فلما كان القصد فيه التعجب من حالها بالحمل عن النفخ، وولادتها لا عن اقتراب فحل، لم يكن ثمّ من القصد إلى وصف جملتها بغير الصفة التي كانت عليها قبلها ما كان في الآية الأولى، فجاء اللفظ على أصله، والمعنى: نفخنا في فرجها، ولم يسق الكلام إلى ما سيق في سورة الأنبياء من وصف حالها بعد النفخ، فاختلفا لذلك" ([6]).
المثال الثاني: في قوله تعالى: في سورة البقرة (آية 173) +مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ" مع قوله في سورة المائدة (آية 3) والأنعام (آية 145) والنحل (آية 115) +أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ".
وجه ابن جماعة الموضعين بالنظر في السياق بأن آية البقرة في سياق المأكول، وحله وحرمته، فكان تقديم ضميره وتعلق الفعل به أهم. وآية المائدة وردت بعد تعظيم شعائر الله وأوامره، والأمر بتقواه، وأيضاً فآية النحل بعد قوله تعالى: +وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ" [النحل 114] وكان تقديم اسمه أهم، وأيضاً فآية النحل والأنعام نزلتا بمكة، فكان تقديم ذكر الله بترك الأصنام على ذبائحهم أهم، لما يجب من توحيده وإفراده بالتسمية على الذبائح، وآية البقرة نزلت بالمدينة على المؤمنين لبيان ما يحل لهم وما يحرم، فقدم الأهم فيه. والله أعلم" ([7]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) ((البرهان في علوم القرآن)) (1/ 112).
([2]) ((دلالة السياق وأثرها في توجيه المتشابه اللفظي في قصة موسى)) (1/ 100).
([3]) ((الانتصار للقرآن)) (2/ 803) باختصار.
([4]) انظر: ((دلالة السياق وأثرها في توجيه المتشابه اللفظي في قصة موسى)) (1/ 139).
([5]) انظر: (1/ 139).
([6]) ((درة التنزيل)) (2/ 912).
([7]) ((كشف المعاني)) (ص116).
علم السياق القرآني [11] (صلة السياق بالمقاصد)
علم المقاصد وصلته بالسياق
علم المقاصد من أعظم العلوم المتعلقة بالتفسير؛ إذ لابد للمفسر أن يراعي مقاصد الشارع، والغرض الذي ورد النص لأجله.
والمقصد هو العمدة في كل كلام.
قال ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين في بيان أن مردَّ الكلام إلى مراد المتكلم وغرضه": الفصل الثالث في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء. فهذا الموضع مما يغلط فيه كثير من الناس غلطا قبيحا فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه، فإذا قيل معنى اللفظ كذا وكذا، كان إخباراً بالذي عناه المتكلم، فإن لم يكن هذا الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم" ([1]).