ثانياً: أنه لما كان الحديث في الآيات عن الطلاق والقتال، وهما يمثلان أعظم أوقات الأزمات الداخلية والخارجية، ويحصل بسببهما الهم والقلق، ذكر الله تعالى سبيل الخلاص والخروج من هذه الأزمات والدواء الناجع لها، وهو المحافظة على الصلاة التي هي أعظم ما يسكن النفوس عند القلق ويزيل الهموم ويثبت القلوب.
فانظر إلى أثر السياق في بيان المناسبة، وهذا يؤكد لنا أن المناسبة جزء في السياق؛ إذ أن السياق هو الذي ربط بين الآية وما قبلها وما بعدها.
وكمال أثر السياق في المناسبات يظهر في سياق السورة، وترابط المقاطع والموضوعات فيها وسر الترتيب بينها، وهذا ما يظهر في سياق سورة البقرة بإذن الله تعالى. وقد أجمل ذلك صاحب النبأ العظيم بكلام نفيس ([9]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) ((البرهان في علوم القرآن)) (1/ 36).
([3]) ((نظم الدرر)) (1/ 18).
([4]) ((نظم الدرر)) (1/ 5).
([5]) ((جامع البيان)) (4/ 91).
([6]) ((البحر المحيط)) (2/ 604).
([7]) انظر: ((تفسير المنار)) (2/ 436).
([8]) ((أنوار التنزيل)) (1/ 128).
([9]) انظر: ((النبأ العظيم)) (ص204).
علم السياق القرآني [10] (صلة السياق بالمتشابه.)
صلة السياق بالمتشابه.
المتشابه اللفظي في القرآن كثير، وكثيراً ما يتساءل القارئ لكتاب الله والمتأمل فيه عن سر هذا التشابه ووجه الفرق بين الآيات المتشابهة. وقبل أن نبين صلة هذا العلم بالسياق، نعرض للمحة موجزة عنه:
أولاً: المقصود بالتشابه اللفظي:
حدد الزركشي مفهوم المتشابه فقال: "هو إيراد القصة الواحدة في صور شتى، وفواصل مختلفة، ويكثر في إيراد القصص والأنباء" ([1]).
وعرفه صاحب رسالة دلالة السياق وأثرها في توجيه المتشابه اللفظي بقوله: "الآيات المتكررة في موضوع واحد متقارب المعنى مع اختلاف في لفظها أو نظمها أو كليهما" ([2]).
وقد عنى بعض العلماء بالمتشابه اللفظي وألفوا فيه استقلالاً ومن ذلك:
1 - درة التنزيل وغرة التأويل للخطيب الإسكافي.
2 - البرهان في متشابه القرآن للكرماني.
3 - ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل لأبي جعفر ابن الزبير.
4 - كشف المعاني في المتشابه المثاني لابن جماعة.
5 - فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن لأبي يحيى زكريا الأنصاري.
ثانياً: فائدة علم المتشابه اللفظي في القرآن:
لهذا العلم فوائد عظيمة تظهر من وجوه:
1 - أنه يظهر عظمة القرآن وإعجازه ببلاغته النافذة التي عجز عنها أرباب البلاغة دالاً بذلك على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بكر الباقلاني في كتابه الانتصار مبيناً ذلك: "إن العرب لم تستطع أن تأتي بمثل هذا المكرر الصحيح المعنى الذي ليس عليه اعتراض، ولا سبيل لها أن تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن المعنى الذي ذكرته من القصة قد ذهبت بلفظه، فلا يمكن لنا أن نأتي بمثله، وذلك أن المكرر قد أبطل حجتهم بإعادته المعنى بلفظ آخر بليغ كنظيره، فتبين بهذا أن الإتيان بمثله لم يكن مستطاعاً إلا من منزِّله" ([3]).
2 - أن هذا التشابه يظهر عظمة القرآن في كونه يورد القصة الواحدة لعدة أغراض، كل موضع منها يرد لغرض معين، فتأتي ألفاظه متفقة مع غرضه، وهذا لاشك أنه دال على بلاغة عظيمة لا يستطيعها البشر في بيانهم. وهذا هو السر الأعظم من التكرار والتشابه اللفظي والله أعلم.
ودراسة علم المتشابه تعتبر ضرباً من التفسير لكلام الله تعالى، وهو باب عظيم من أبواب التأمل في آيات الله التي حث البارئ تعالى على تدبرها، وهو أيضاً مما يزيد الإيمان حين يتأمل القارئ لكتاب الله تعالى ويظهر ما فيه من وجوه البلاغة وعظيم المقاصد ([4]).
الصلة بين السياق وعلم المتشابه: