تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يدل على أن السياق يحتاج إلى دقة فهم ونظر ثاقب، ما تميز به ابن عباس رضي الله عنه في فهم كتاب الله تعالى ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن الشواهد على ذلك: ما روي أن عمر بن الخطاب قال للصحابة ما تقولون في ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [سورة النصر] قالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره، فقال لابن عباس: ما تقول أنت، قال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها غير ما تعلم) ([6]).

قال ابن القيم: "وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد، فإنه سبحانه لم يعلق الاستغفار بعمله بل علقه بما يحدثه هو سبحانه من نعمة فتحه على رسوله ودخول الناس في دينه، وهذا ليس بسبب للاستغفار، فعلم أن سبب الاستغفار غيره، وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه ليلقى ربه طاهرا مطهرا من كل ذنب، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ وهو صلى الله عليه وسلم كان يسبح بحمده دائما، فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمر أكبر من ذلك المتقدم، وذلك مقدمة بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حكماً أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه، ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به فيفهم من اقترانه به قدرا زائدا على ذلك اللفظ بمفرده وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به" ([7]).

وفهم السياق والوصول إليه واستنباطه يحتاج إلى أمور:

أولاً: الفهم الصحيح للسياق وحده وأصوله وقواعده، فإنه لابد للباحث عن السياق أن يكون عالماً بالسياق وحده وما يستلزم الوصول إليه من القواعد والضوابط والأصول. ويتبع ذلك معرفة اللغة والرسوخ فيها.

ثانياً: صفاء الذهن ودقة النظر، وإدامة التأمل في كتاب الله تعالى، وبعد الغوص فيه، وتكرار البحث والتحري فيه لطلب السياق وتعيينه بقرائنه المختلفة.

قال عبد القاهر الجرجاني في كلام فصل في هذا الأمر: "ويحتاج في كثير منه إلى دقة الفطنة، وصفاء القريحة، ولطف الفكر، وبعد الغوص، وملاك ذلك كله الجامع له والزمام عليه، صحة الطبع وإدامة الرياضة، فإنهما أمران ما اجتمعا في شخص فقصرّا في إيصال صاحبهما عن غايته، ورضيا له بدون نهايته، فصحة الطبع ملكة فطرية، وإدامة النظر اكتساب مستمر، وعلاقة الذوق بالسياق تصقلها التجربة" ([8]).

وقال الزركشي: "وإنما يفهم بعض معانيه، ويطلع في أسراره ومبانيه، من قوي نظره، واتسع مجاله وتدبره، وامتد باعه، ورقت طباعه" ([9]).

وإدامة النظر والتأمل في كتاب الله تعالى تمنح صاحبها ملكة في معرفة أسلوب القرآن وطرق مخاطباته وأغراضه، وكل ذلك دال على فهم السياق.

ثالثاً: صدق النية في طلب فهم كلام الله تعالى، واللجوء إلى الله وطلب توفيقه.

قال ابن القيم: "الفائدة الحادية والستون حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) ([11])، وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول يا معلم إبراهيم علمني، ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ بن جبل رضي الله عنه، وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة 32] .... وكان بعضهم يقرأ الفاتحة وجربنا نحن ذلك فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة، والمعول في ذلك كله على حسن النية وخلوص القصد وصدق التوجه" ([12]).

السياق القرآني · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

السياق القرآنيص ١٧