أما سيد قطب فقد سلك هذا المسلك في تفسيره الظلال، وجعل من منهجه أن يقدم بين يدي كل سورة بوحدتها الموضوعية وسياقها العام. ولعلنا نعرض لمثال واحد من ذلك، يقول في أول كلامه عن سورة البقرة: "يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية متميزة، شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس، ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص .. وهذا طابع عام في سور القرآن جميعاً، ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة" ([12]).
ويدخل في سياق السورة الاستدلال بما غلب وروده في السورة كلها. ومن أمثلة ذلك:
ماذكره ابن جرير في ترجيح ماورد من القراءات في قوله تعالى: +سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ" [الصافات 130]، ووردت قراءة بلفظ +آل ياسين" ([13]) فرجح الأولى بدلالة سياق السورة فقال: "والصواب من القراءة في ذلك عندنا: قراءة من قرأ +سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ" بكسر ألفها، على مثال إدراسين؛ لأن الله تعالى ذكره إنما أخبر عند كل موضع ذكر فيه نبياً من أنبيائه - صلوات الله عليهم - في هذه السورة بأن عليه سلاماً لا على آله، فكذلك السلام في هذا الموضع، ينبغي أن يكون على إلياس، كسلامه على غيره من أنبيائه، لا على آله" ([14]).
ثالثاَ: سياق النص أو القصة
سياق النص يأتي كجزء ووحدة من جملة السورة، يكون موضوعه واحداً وغرضه واحداً لكنه يتناسق ويتناسب مع وحدة السورة العام. ويظهر النص غالباً في سياق القصص، وبعض التشريعات، والموضوعات. كقصة آدم، وآيات بني إسرائيل، وآيات القبلة، وآيات الحج في سورة البقرة.
ولو تدبرت كل سورة لوجدتها تتجزأ إلى عدة مقاطع كل مقطع يتضمن غرضاً مستقلاً. وقد تجلى ذلك في دراستي لسورة البقرة.
فمن أمثلة ذلك آيات النفقة والربا والمداينات في سورة البقرة كل موضوع جاء لغرض، وقد اجتمعت كلها في غرض واحد وسياق واحد هو حفظ الأموال وبناء النظام الاقتصادي للأمة.
قال ابن عاشور: "نظم القرآن أهم أصول حفظ مال الأمة في سلك هاته الآيات، فابتدأ بأعظم تلك الأصول، وهو تأسيس مال للأمة به قوام أمرها .. " ([15]).
وقال صاحب الظلال: "منذ الآن إلى قرب نهاية السورة يتعرض السياق لإقامة قواعد النظام الاقتصادي الاجتماعي الذي يريد أن يقوم عليها المجتمع المسلم، وأن تنظم بها حياة الجماعة المسلمة" ([16]).
رابعاَ: سياق الآية.
كل آية في كتاب الله تعالى تحمل غرضاً مستقلاً، وإلا فما سر هذه الفواصل بين الآيات، وقد تجلى ذلك في دراستي لسورة البقرة، فرأيت أن كل آية لها غرض قد تشترك فيه مع سابقتها أو لا حقتها لكنها تختص بجانب منه.
وقد تناول المفسرون هذا النوع كثيراً في بيانهم لتفسير كلام الله والترجيح بين المعاني فيه، ومن على الأمثلة في ذلك:
ماذكره بعض المفسرين في المراد بالإحصان في قوله تعالى: +فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ" [النساء 25].
فقد رجح ابن كثير والشنقيطي أن المراد بالإحصان في الآية التزويج لدلالة السياق.
قال ابن كثير: "والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان ها هنا التزوج؛ لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول الله تعالى +وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ" [النساء25] والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله تعالى: +فَإِذَا أُحْصِنَّ" أي تزوجن كما فسره ابن عباس ومن تبعه" ([17]).
وقال الشنقيطي: "قوله تعالى: +فَإِذَا أُحْصِنَّ" أي: فإذا تزوجن، وقول من قال من العلماء: إن المراد بالإحصان في قوله تعالى: +فَإِذَا أُحْصِنَّ" الإسلام خلاف الظاهر من سياق الآية؛ لأن سياق الآية في الفتيات المؤمنات حيث قال +وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً" الآية" ([18]).