وهي تسعة أيام من اليوم الأول وحتى التاسع، أما التاسع فهو يوم عرفة وقد سبق بيانه وأنه نهي عن صيامه للحاج، أما الثمانية أيام الأولى فيستحب صيامها للحاج وغير الحاج. وأيام العشر من ذي الحجة أيام مباركات يستحب التقرب إلى الله تعالى فيهن بالأعمال الصالحة من صدقة وصلة وبر وإحسان وصيام، قال صلى الله عليه وسلم: " ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني العشر ـ قالوا يارسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ ال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشئ " [رواه البخاري].
وقلنا بأن صيام التسع من ذي الحجة سنة، وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " ما رأيت سول الله صلى الله عليه وسلم صائماً العشر قط " [رواه مسلم]، وهذا القول يخالف القول بأن صيام العشر سنة، وجاء الرد على هذا القول: بأن عدم رؤيتها رضي الله عنها لصيام رسول الله صلى الله عليه وسلم للتسع من ذي الحجة لا يستلزم عدم صيامه لها، لأنه جاء في بعض الأحاديث عن بعض نسائه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم العشر، وفي رواية كان يصوم التسع، لكن هذه الأحاديث لا تخلوا من مقال، وعموماً قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: رجح الإمام أحمد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عشر ذي الحجة، فإن ثبت هذا فهو المطلوب، وإن لم يثبت فإن صيامها داخل في عموم الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة. [الشرح الممتع 6/ 472].
6 - صوم يوم عاشوراء:
وهو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون وقومه، فصامه موسى عليه السلام شكراً لله عز وجل ثم بدأت اليهود وهم بنو إسرائيل بصيامه اقتداءً بموسى عليه السلام، وعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً من مكة، وجد اليهود يصومون ذلك اليوم فسألهم عنه فأخبروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه " [متفق عليه].
وعندما فرض صيام شهر رمضان المبارك رخص النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم عاشوراء لمن أراد. قال صلى الله عليه وسلم: " هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر " [رواه البخاري]، والواجب على المسلم أن لا يترك مثل هذا الأجر العظيم أن يضيع من بين يديه، فمشاغل الإنسان لن تنقطع ولا نهاية لها فهو في كل يوم بشغل، وكل الناس يموت وهو متهيؤ لغد بعمل، ولا يدري أن المنية قد قاربت، وحان الرحيل من هذه الدنيا وسيترك ذلك العمل لغيره، فعلى المسلم إن علم ذلك ألا يفرط في صيام مثل يوم عاشوراء، لأن صيامه يكفر ذنوب سنة كاملة مضت، وكل الناس يخطئ ويذنب، ويحتاج إلى ما يكفر عنه تلك الخطايا والمعاصي، فهذه فرص عظيمة ينبغي للمسلم أن يقتنصها ويستغلها بما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة قال صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء:" أحتسب على الله تعالى أن يكفر السنة التي قبله " [رواه مسلم وغيره]. فصام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وامر الناس بصيامه وذلك قبل أن يفرض شهر رمضان، فلما فرض شهر رمضان، لم يعزم النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين صيامه، بل جعل لهم الخيار، فمن شاء صام ومن شاء أفطر.
ومراتب صيام هذا اليوم كما بينها بعض العلماء:
وهي أربعة مراتب:
الأولى: إفراد صيام يوم عاشوراء لوحده.
الثانية: صيام التاسع والعاشر
الثالثة: صيام العاشر والحادي عشر.
الرابعة: صيام التاسع والعاشر والحادي عشر.
وقد كره الجمهور من العلماء إفراد العاشر لوحده بالصوم لما فيه من التشبه باليهود.
وأفضل هذه المراتب، المرتبة الثانية: وهي صيام التاسع والعاشر للحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حيث قال:" لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر " [إسناده جيد]، وقال صلى الله عليه وسلم:" لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع " [رواه مسلم]، ومعنى ذلك أي: لأصومن التاسع مع العاشر. وقال صلى الله عليه وسلم: " صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً " [رواه أحمد والبيهقي بسند جيد].
ومن اشتبه عليه أول الشهر فليصم التاسع والعاشر والحادي عشر، ليتيقن صوم العاشر. فإن كان دخول الشهر صحيحاً صام التاسع والعاشر والحادي عشر، وإن كان غير ذلك صام العاشر والحادي عشر والثاني عشر. وفي كلتا الحالتين يحصل الصائم على أجر صوم يوم عاشوراء.
ولو وافق صيام يوم عاشوراء أو يوم عرفة يوم جمعة جاز صيامه وإفراده لأن المقصود يوم عرفة ويوم عاشوراء وليس المقصود إفراد يوم الجمعة بصيام، ولو صام معه يوماً آخر لكان حسناً حتى يخرج من خلاف بعض العلماء الذين خالفوا في ذلك ومنعوا إفراد يوم الجمعة بصيام ولو وافق يوماً فاضلاً كيوم عرفة وعاشوراء.
7 - صيام شهر الله المحرم:
قال صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم " [رواه مسلم].