قال شيخ الإسلام: " وأماّ السواك فجائز بلا نزاع، لكن اختلفوا في كراهيته بعد الزوال على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد، ولم يقم على كراهيته دليل شرعي يصلح أن يخص عمومات نصوص السواك ". [مجموع الفتاوى 25/ 266].
قال الشيخ بن منيع: " وأماّ السواك فهو مسنون في الصيام وغيره، ولا أثر للتسوك به من الصائم على صومه، سواءً كان قبل الزوال أو بعده ". [مجموع فتاوى وبحوث 2/ 314].
الراجح:
والقول الراجح في هذه المسألة أن السواك سنة من سنن الفطرة، فيجوز للصائم أن يستاك قبل الزوال وبعده، وإذا اختلط اللعاب بطعم السواك فابتلعه الصائم بغير إرادته فلا شيء عليه، لأنه لا يمكن التحرز منه، لكن يُنهى الصائم عن جمع ريقه المختلط بطعم السواك ثم بلعه.
8_ الاغتسال من شدة الحر والعطش:
قد يعتري الصائم موجة من الحر أو العطش الشديدين مماّ لا يجد معه بدٌ من كسر ذلك الحر والعطش بالإغتسال والإنغماس في الماء حتى يطفيء حدة الحر والعطش، وهذا أمر لا بأس به للصائم مع التحرز من عدم دخول شيءٍ من الماء إلى جوفه، فإن دخل الماء بغير إختياره فلا شيء عليه، ولقد ثبت: " أن النبي صلى الله عليه وسلم يصب الماء على رأسه وهو صائم "، فعن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام قال: حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء من العطش أو من الحر .. "
وعند الإمام أحمد: " يسكب على رأسه الماء بالسقيا إماّ من الحر وإماّ من العطش وهو صائم .. " [رواه مالك وأحمد وغيرهما بأسانيد صحيحة _ جامع الأصول 5/ 539].
قال البنا: " وفي الأحاديث دليل على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر بصب الماء على بعض بدنه أو كله، سواءً كان في حمام أم غيره ".
وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء ولم يفرقوا بين الأغسال الواجبة والمسنونة والمباحة مستدلين بحديث أبي بكر وحديث عائشة وغيرهما في الصحيحين وعن الإمام أحمد وغيرهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً وهو صائم ثم يغتسل.
قال الشوكاني وقالت الحنفية: " إنه يكره الإغتسال للصائم، واستدلوا بما أخرجه عبدالرزاق عن علي من النهي عن دخول الصائم الحمام، وهو مع كونه أخص من محل النزاع في إسناده ضعف كما قال الحافظ. [بلوغ الأماني 10/ 49، ونيل الأوطار 4/ 216].
وعن عبدالله بن أبي عثمان قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما وهو صائم، يبل الثوب، ثم يلقيه عليه. [ما صح من آثار الصحابة في الفقه 2/ 645 وهو أثر حسن].
قال النووي: " يجوز للصائم أن ينزل إلى الماء وينغطس فيه ويصبه على رأسه، سواءً كان في حمام أو غيره ولا خلاف في هذا. . . " [المجموع شرح المهذب 6/ 387].
الراجح:
فحاصل الأمر أنه يجوز للصائم أن يتبرد بالماء من شدة الحر أو العطش ولا إثم عليه في ذلك.
9_ الغيبة وفضول الكلام:
المسلم حريص على دينه وإيمانه من النقصان والخسران، فهو بمنأى عن سفاسف الأمور وتوافهها، يترفع بنفسه عمّا يقدح في دينه، ولا ينجرف وراء وساوس الشيطان وأوهامه، فيبتعد بنفسه عن الغيبة والنميمة وقول الزور وفضول الكلام في كل أوقاته وطول عمره وخصوصاً وقت صيامه لأن ذلك ينقص الأجر ويعظم الوزر، فكل تلك الأمور محرمة بالكتاب والسنة وليس هذا موضع البسط فيها، ولكن لنا ما يتعلق بالصوم من تلك الأمور المنهي عنها شرعاً وقد وردت عدة أحاديث فيها ترهيب الصائم من الغيبة والفحش والكذب ونحو ذلك ذكرها كثير من العلماء في مصنفاتهم ومؤلفاتهم فمنها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " [رواه البخاري وغيره].
وعن أنس بن مالك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لم يدع الخنا والكذب، فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه " [رواه الطبراني في الصغير والأوسط وهو حديث حسن لغيره، أنظر صحيح الترغيب والترهيب 1/ 624].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلاّ الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنة، فإذا كان يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم " [متفق عليه].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك، فقل: إني صائم، إني صائم " [رواه ابن خزيمة وابن حبان وصححه الألباني في الترغيب والترهيب 1/ 625].
وعن ابن خزيمة في رواية أخرى، قال صلى الله عليه وسلم: " لا تساب وأنت صائم، فإن سابك أحد فقل: إني صائم، وإن كنت قائماً فاجلس " [حسنه الألباني].