من لم يصم من أول شعبان حتى منتصفه، فلا يجوز له الصيام باقي شعبان، ودليل ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " [أخرجه الخمسة وغيرهم، وهو حديث صحيح، سبل السلام 8/ 138]، وفي لفظ عند ابن ماجة وأبي داود: " إذا كان النصف من شعبان، فلا صوم حتى يجيئ رمضان " [صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/ 60]، ومعنى الحديثين: أنه يحرم الصيام بعد انتصاف شعبان، ما لم يكن من عادة الإنسان الصوم المطلق، كصيام أيام البيض، أو صيام يوم وإفطار يوم، أو صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، فهذا يجوز له أن يصوم بعد انتصاف شعبان، المهم أنه من صام قبل انتصاف شعبان جاز له أن يصوم في النصف الأخير منه، ومن لم يصم في النصف الأول منه لم يجز له أن يصوم شيئاً من النصف الآخر منه، ودليل ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقدموا صيام رمضان بيوم، ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فيصومه " [متفق عليه]. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعحل الرجل الصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. وقوله لمعنى رمضان يعني: احتياطاً لرمضان، والصحيح أن النهي عام، فلا يصوم قبل رمضان بيوم ولا يومين لظاهر الحديث إلا إذا كان من عادة الرجل أن يصوم صوماً تطوعاً، أو من كان عليه نذر أو قضاء من رمضان. [سبل السلام 8/ 84].
ليلة القدر:
لقد اختص الله تبارك وتعالى هذه الأمة المحمدية على غيرها من الأمم بخصائص وفضلها على غيرها من الأمم بأن أرسل إليها أفضل الرسل والأنبياء وخاتمهم وأخرهم، وجعلها خير الأمم قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران].
وقد أنزل لهذه الأمة الكتاب المبين، والصراط المستقيم، كتاب الله العظيم، كلام رب العالمين، قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر]، وقال تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت].
فقد أنزل الله عز وجل القرآن الكريم في ليلة مباركة هي خير الليالي، ليلة اختصها الله عز وجل من بين الليالي، ليلة العبادة فيها هي خير من عبادة ألف شهر وهي ثلاث وثمانين سنة وثلاثة أشهر تقريباً، ألا وهي ليلة القدر، قال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر]، وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان]، وسميت بليلة القدر لعظم قدرها وفضلها عند الله تبارك وتعالى، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الآجال والأرزاق وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان].
سبب تسميتها ليلة القدر:
أولاً: أنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عزوجل وبيان إتقان صنعه وخلقه. . .
ثانياً: سميت ليلة القدر من القدر وهو الشرف كما تقول فلان ذو قدر عظيم، أي ذو شرف لقوله تعالى: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ وليلة خير من ألف شهر قدرها عظيم ولاشك
ثالثاً: وقيل لأن للعبادة فيها قدر عظيم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " [متفق عليه]. وهذا لايحصل إلا لهذه الليلة فقط، فلو أن الإنسان قام ليلة النصف من شعبان، أو ليلة النصف من رجب، أو ليلة النصف من أي شهر، أو في أي ليلة لم يحصل له هذا الأجر. [الشرح الممتع 6/ 494].
يقول الشيخ ابن عثيمين: أن الإنسان ينال أجرها وإن لم يعلم بها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً " ولم يقل عالماً بها، ولو كان العلم شرطاً في حصول هذا الثواب لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم.
علامات ليلة القدر:
1ـ قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان البر بعيداً عن الأنوار.
2ـ زيادة النور في تلك الليلة.
3ـ الطمأنينة، أي طمأنينة القلب، وانشراح الصدر من المؤمن، فإنه يجد راحة وطمأنينة وانشراح صدر في تلك الليلة أكثر من مما يجده في بقية الليالي.
4ـ أن الرياح تكون فيها ساكنة أي: لاتأتي فيها عواصف أو قواصف، بل يكون الجو مناسباً.
5ـ أنه قد يُري الله الإنسان الليلة في المنام، كما حصل ذلك لبعض الصحابة.
6ـ أن الإنسان يجد في القيام لذة أكثر مما في غيرها من الليالي.
7 - أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية ليست كعادتها في بقية الأيام، ويدل لذلك حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: " أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنها تطلع يومئذ لاشعاع لها " [أخرجه مسلم].
تحري ليلة القدر: