كانت النتيجة الطبيعية لابتداع الأفكار والأعمال لدى الصوفية أن بعدت مناهجهم في الاعتقادات والعبادات جميعاً عن السنة وعن مناهج الصحابة والتابعين , وانحط تقديرهم للسلف – وإن أظهروا غير ذلك – لأنهم ربما نظروا إليهم على أنهم فهموا الإسلام فهماً سطحياً وأن المشايخ والأولياء قد تقربوا إلى الله بما لم يتقرب إليه أحد من الرعيل الأول , وأنهم وصلوا إلى مراتب لم يصلها أحد من السابقين الأولين , وكان من نتيجة ذلك عدم العودة إلى منهج الصحابة والتابعين عند الاختلاف و وحرموا الاستفادة من خير الأجيال .
خامساً : الصِّلة بين التصَّوف والتشيع :
إن صلة الصوفية بالتشيع شيء مؤكد , فمرجعهم دائماً من الصحابة هو علي بن أبي طالب أو الحسن بن علي " الذي هو أول الأقطاب (1) " وقالت الصوفية بالقطب والأبدال وهذا من أثر الإسماعيلية والشيعة (2) . وعوامل نشأة الفرقتين وطبيعة كل منها توجب أن يقترب التشيع والتصوف , فالشيعة انهزموا في ميدان السياسة , والصوفية انهزموا في ميدان الحياة , وأهل فارس هم أكثر الناس تصوفاً بين الأمم الإسلامية (3), وقد أخذ الصوفية فكرة الحياة المستمرة لبعض الأشخاص من الشيعة الذين يقولون بمهدية فلان أو فلان وأنه حي إلى الآن . قال ابن حزم : " وسلك في هذا السبيل بعض نوكي الصوفية فزعموا أن الخضر وإلياس عليهما السلام حيّان إلى اليوم " (4) .
وقد اعتمد السلمي في تفسيره على ما يروى عن جعفر الصادق من تأويلات للقرآن مخالفة للمنهاج الصحيح في التفسير , فإذا قالت الشيعة في تفسير قوله تعالى " وعلى الأعراف رجال " هو علي بن أبي طالب يعرف أنصاره بأسمائهم , قال السلمي : أصحاب المعرفة أصحاب الأعراف , وقال ابن عربي : " رجال هم العرفاء أهل الله وخاصته " (5) .
ويذكر السراج أنه " لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من بين جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصية بمعان جليلة و إشارات لطيفة وألفاظ مفردة وعبارة وبيان للتوحيد والمعرفة والعلم , تعلق وتخلق بها أهل الحقائق من الصوفية " (6) , وعلي رضي الله عنه من علماء الصحابة وأفضلهم بعد سابقيه في الخلافة فلماذا هذه الخصوصية ؟
(1) لطائف المنن / 67 .
(2) صديق حسن خان : أبجد العلوم 2/160 .
(3) زكي مبارك 2/28 .
(4) د. مصطفى الشيبي : الصلة بين التصوف والتشيع / 136 .
(5) المصدر السابق / 191 .
(6) نفس المصدر / 343 .