قلنا : إن سنة الله في نصر المؤمنين سنّة ماضية لا تتخلّف أبداً ، وإنها تتحقق بتحقق عواملها وانتفاء عوائقها ، وإن على المسلمين أن يأخذوا بهذه العوامل ويتجنبوا هذه العوائق كما أمر الله تعالى . ولكن مع هذا عليهم أن تكون ثقتهم بالله وتوكلهم عليه لا على أسباب النصر التي باشروها وأعدوها كما أمر الله ، فاعتمادهم يكون على الله لا على ما أعدّوه من عوامل النصر وتجنب عوائقه ، فتبقى قلوبهم معلقة بالله متطلعة إلى تأييده ومعونته معتمدة عليه وحده وليس على ما باشروه من أسباب النصر . ويدل على ما قلناه قوله تعالى : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿9﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لكم وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ)(1).
وقوله تعالى : (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لكم) أي وما جعل الله تعالى هذا الغمداد لكم بالملائكة إلا بشرى لكم بأنه سينصركم كما وعدكم . (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) أي تسكن بعد ذلك الزلزال الذي أصابها . (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) دون غيره من الملائكة أو غيرهم من الأسباب فهو عز وجل الفاعل للنصر مهما تكن أسبابه المادية والمعنوية إذ هو المسخر لها(2) .
81 ـ نصر الجماعة المسلمة :
الجماعة المسلمة في قيامها بالدعوة إلى الله وتحكيم شرع الله ، تخضع إلى (سنة التدافع بين الحق والباطل ) ، إلى سنته تعالى في نصر المؤمنين ، فعلى الجماعة أن تهيىء عوامل النصر وتتجنب معوقاته حتى يتحقق لها دفع الباطل وانتصار الحق الذي تدعو إليه وهو دين الله ، الإسلام ، وإقامة دولة الإسلام .
(1) ـ سورة الأنفال ، الآيتان 9 ، 10 .
(2) ـ تفسير الزمخشري ، ج2 ، ص 202 ، تفسير المنار ، ج9 ، ص 608 .