وقد دلّ على تأثير القوة المادية في نفوس المقاتلين المؤمنين والكافرين قوله تعالى : (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿43﴾ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ)(1) .
وجاء في تفسير هاتين الآيتين أن الله تعالى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه عدد الكفار قليلاً قبيل بدء القتال في معركة بدر ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه فكان ذلك الإخبار تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم . وبيّن الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم أنه (َلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً) أي لو أراك عدد الكفار كثيراً (لَّفَشِلْتُمْ) أي لأصاب المؤمنين جبن ووهن وهيبة من الإقدام والهجوم على الكفار (وَلَتَنَازَعْتُمْ) أي ولحصل نزاع واختلاف بين المؤمنين وتفرق كلمتهم فيما يصنعونه من مقاتلتهم أو الانصراف عنهم وعدم مقاتلتهم . ثم بيّن الله تعالى أنه أرى المؤمنين عند لقائهم بالعدو أراهم إياهم قليلاً تصديقاً لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم وليعاينوا ما أخبرهم به فبزداد يقينهم ويجدّوا ويثبتوا في قتالهم (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) أي يقلل المؤمنين في أعين الكفار مما يجرئهم على الاندفاع في مقاتلة المؤمنين مع قلّة مبالاة بهم فتفجؤهم كثرة المؤمنين التي لم يتوقعوها ولم يروها بأعينهم فيقع القتل فيهم وينتصر المؤمنون عليهم(2) .
(1) ـ سورة الأنفال ، الآيتان 43 ، 44 .
(2) ـ تفسير الزمخشري ، ج2 ، ص 224 ـ 225 .