ولهذا أمرنا الله تعالى بإعداد القوة المادية ، قال تعالى : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ...) ؛ لأن الإسلام دين واقعي لا يغفل عما في العوامل المادية من قوة وهو يقرر ما للإيمان من قوة ومن سببية في النصر . ولكن هذه القوة للإيمان أو هذه السببية فيه للنصر لها حد محدود بيّنه الله تعالى حتى لا نغالي في الأمور ، وحتى نعطي لكل شيء حقّه من التقييم والتقدير من دون مغالاة فلا نقع في الوهم والخطأ في الحساب والتقدير فنخسر ولا ننتصر على عدونا .
ويدل على ما قلته قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مّاِئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴿65﴾ الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)(1) .
وجه الاستدلال بالآية الأولى أن الله تعالى أخبر المؤمنين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عشرين صابرين منهم يغلبون مائتين من الكافرين ، وهذا قبل التخفيف ولم يقل عزّ وجلّ أن العشرين من المؤمنين الصابرين يغلبون ألفين ؛ لأن المؤمنين الصابرين وإن كان لإيمانهم قوة وهي أقوى من قوة الكفر في نفوس الكافرين ، إلاّ أن هذه القوة الإيمانية لها حد محدود في غلبة قوة الكفر والكافرين ، فقد جعل الله قوة الإيمان تصيّر المؤمن الواحد أقوى من عشرة من الكفار فيغلب العشرون من المؤمنين المائتين من الكافرين .
(1) ـ سورة الأنفال ، الآيتان 65 ، 66 .