فمن النوع الأول قوله تعالى : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)(1) . ومن النوع الثاني قوله تعالى : (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ)(2) .
ولهذا نرى أن من الضروري جداً للمسلمين عموماً ـ الحكام والمحكومين ـ أن يتفهموا سنن الله في الاجتماع البشري لينجوا من الهلكة أو ليتخلصوا منها إذا وقعوا فيها وقد وقعوا فيها فعلاً ، وأن يعلموا أن هذا الفهم من لوازم الإيمان ومن فهم أحكام الإسلام(3) )) .
23 ـ الأسباب والمسببات من فعل الله :
وليكن معلوماً أن كون الشيء سبباً لغيره أو كونه مسبباً عن غيره ، هو من فعل الله تعالى وحكمه ، فهو تعالى خالق الأسباب والمسببات(4) . ولولاه لما صار هذا الشيء سبباً لغيره ولا صار هذا الغير مُسبَّباً عنه . ومعنى ذلك أن السبب إنما يعمل ويستدعي مسبّبه بموجب سنّة الله ونفاذها .
24 ـ المسببات تكون بأسبابها لا عندها :
قال بعض الناس إن المسببات تكون عند وجود أسبايها ولا تكون بهذه الأسباب ، فالإحراق مثلاً يحصل عند وجود النار وليس بالنار . وهذا القول غير صحيح ، فالمسببات تحدث أو تكون بالأسباب الموجبة لها ، لا أنها تحدث أو تكون عند وجود هذه الأسباب . والأسباب إنما صارت أسباباً بما أودعه الله تعالى فيها من معاني السببية التي تستوجب نتائج معينة تناسب هذه المعاني ، وكل هذا بتقدير الله ومشيئته وسنته في خلقه . فالإحراق يكون بالنار ، فالنار هي سبب الإحراق ، والإحراق يكون بالنار لما أودع الله فيها من معاني الحرارة المستوجبة للاحراق ، لا أن الإحراق يحدث عند وجود النار .
(1) ـ سورة يوسف ، الآية 111 .
(2) ـ سورة آل عمران ، الآية 137 .
(3) ـ انتهى الاقتباس من مقالتي (( القانون الرهيب )) التي أشرت إليها .
(4) ـ مجموع فتاوى ابن تيمية ، ج8 ، ص 70 .