تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثاني

الصلح في الجناية في الخطأ وشبه العمد

المبحث الأول

الصلح عن الدية في الجناية على النفس خطأ أو شبه عمد

لما كانت الجناية خطأ موجبة للدية لا للقصاص, والدية مقدرة شرعاً جنساً وقدراً. من هنا نشأ الخلاف في الزيادة عليها أو إبدالها بغير جنسها لورود الربا حينئذ.

والصلح عن الدية على مال من جنسها لا يخلو:

إما أن يقع الصلح على المفروض في باب الدية كالمائة من الإبل مثلاً فهذا لا إشكال فيه إذ هو في الحقيقة تعيين للواجب فيها دون اللجوء إلى تقديرها من قبل الإمام. وكذلك لو صالح على أقل من المقدر, كأن صالح على خمسين من الإبل فهذا أيضاً لا إشكال فيه؛ لأنه استيفاء لبعض حقه وإبراء عن الباقي فيصح (1).

وإما أن يقع الصلح على أكثر من المقدر في الدية كأن صالح عنها بمائة وخمسين من الإبل أو ألفي مثقال من الذهب ففي هذا قولان للعلماء:

القول الأول: قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وهو أنه لا يجوز لأن الزيادة عن المقدر ربا وأكل مال بالباطل (2).

والقول الآخر: الجواز وهو قياس قول الإمام أحمد- رحمه الله- واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- لأنه عوض عن متلف فجاز أخذ أكثر من قيمته (3).

والراجح هو القول الأول.

إلا أن بعض الفقهاء ذكر باباً لمن أراد أن يصالح على أكثر منها مضطراً وهو أن يصالح بأكثر من المقدر بعد أن يقضي القاضي بأحد مقادير الدية فيصالح على جنس آخر منها بالزيادة (4).

أما لو صالح على مال من غير جنس الدية فلا مانع ولا محذور شرعاً لعدم دخول الربا. كأن صالح الجاني أولياء الدم عن دية النفس بأي قدر من العروض والمكيلات والموزونات أياً كانت غير الذهب والفضة فلا حرج.

وكذا لو صالحهم مقابل الحصول على مصلحة أو منفعة فيجوز كأن صالح امرأة بأن يتزوجها مقابل ما وجب عليها من مال في جناية ارتكبتها خطأ كما لو قتلت مورثه خطأ.

وكذا لو صالح الجاني أولياء الدم على أن يرتحل من أرض الجناية أبداً أو إلى مدة فيجوز (5).

فإن لم يرتحل, أو ارتحل وعاد قبل انتهاء المدة المحددة فلأولياء الدم الدية إن كانت ثابتة, أو الخصومة إن كان قبل ثبوت الدية.

(1) انظر فتح القدير بشرحه 7/ 388.

(2) المبسوط 6/ 47, وحاشية العدوي على شرح الخرشي 8/ 27, والمغني 5/ 28, والإنصاف 5/ 238.

(3) الاختيارات 134.

(4) انظر تبيين الحقائق 5/ 36, وحاشية رد المحتار 5/ 635.

(5) راجع: المبسوط 21/ 12, والمدونة 4/ 460, ومغني المحتاج 4/ 52, والمقنع 2/ 127, والمحلى 6/ 474.

الصلح في الجنايات · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصلح في الجناياتص ١٥