ولو أردنا أن نستقصي تراجم الصحابة الكرام رضي الله عنهم في كشفهم وفراستهم، لخرجنا عن موضوعنا في رسالتنا هذه.
كشف العارفين:
روي عن الإمام الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى:
(أنهما كانا بفناء الكعبة، ورجل على باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجارا، وقال الآخر: بل حدادا، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال: كنت نجارا وأنا اليوم حداد) (1).
وعن أبي سعيد الخراز رحمه الله تعالى قال: (دخلت المسجد الحرام، فرأيت فقيرا عليه خرقتان، فقلت في نفسي: هذا وأشباهه كلّ على الناس؛ فناداني وقال: ﴿واِعْلَمُوا أَنَّ الله يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: 235]. فاستغفرت الله في سرّي، فناداني وقال: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: 25]. ثم غاب عني، ولم أره) (2).
ومثل هذا وقع لغيره. يقول خير النسّاج رحمه الله تعالى: (كنت جالسا في بيتي، فوقع لي أن الجنيد بالباب، فنفيت عن قلبي ذلك، فوقع ثانيا وثالثا، فخرجت، فإذا الجنيد، فقال: لم لم تخرج مع الخاطر الأول؟) (3).
وحكي عن إبراهيم الخوّاص رحمه الله تعالى قال: (كنت في بغداد في جامع المدينة، وهناك جماعة من الفقراء، فأقبل شاب ظريف طيب
(1) «تفسير القرطبي» ج 10. ص 44.
(2) «الإحياء» للغزالي ج 3 ص 21.
(3) «الرسالة القشيرية» ص 110.