... وفي ضوء هذا نستطيع القول إنَّ هناك ثابتاً معيارياً يتحدد في القوانين الصارمة للعروض العربي كما أرساه الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقد التزم الشعر العربي بهذه القوانين، ولكنه في الوقت نفسه عبر عن تجربته الشعورية، وهي تجربة خاصة، ولذلك فإن الشاعر المبدع هو الذي يسعى إلى تحويل الثابت المعياري إلى إيقاع خاص به، يلّونه وينوّع فيه تجربته الشعورية، بمعنى أنَّ الشاعر يحافظ على التفعيلات ونظامها ولكنه يتحرك بحرية ما في إطار هذه التفعيلات بتنويعات إيقاعية خاصة، سنطلق عليها الموسيقى الداخلية، أو الإيقاع الداخلي للقصيدة، وهذا هو الذي يسهم في تحديد خاصية هذا الشاعر، ويسهم أيضا في تحديد أسلوبه » ولا نستطيع أن نتصور أنَّ الشاعر في هذا البحر أو ذاك وفي هذه الموضوعات والمعاني المختلفة التي يعرض لها في القصيدة الواحدة من الوقوف على الأطلال إلى الغزل والوصف المديح أو الهجاء، إنما يعزف مقطوعة موسيقية واحدة، أو يصدر عن نغم رتيب متكرر، فحياة الجاهلي كانت حياة متجددة متغيرة وظروف الحياة من حوله لم تكد تبقي شيئا على حاله، ومثل هذه الرتابة الموسيقية من شأنها أن تعقد نفسيته، وتفسد عليه وظيفة الشعر الفنية بوصفه وسيلة للخلاص النفسي من هذا التوتر الدائب بين الشاعر وبيئته في أشكالها المختلفة : الاجتماعية والقبلية والدينية والاقتصادية، ونريد أنْ نصل من هذا إلى القول بأنَّ عالم الشعر الداخلي ينبئ عن موسيقى متغيرة ومتجددة في داخل هذا الإطار الموسيقي الخارجي،إطار البحر الشعري«(1).
... وقد حفل الشعر الجاهلي بأنماط متعددة من الإيقاع الداخلي، ويمكن التحدث عن نمطين مهمين في هذا السياق، وهما :
أولاً : التكرار :
(1) ـ ابراهيم عبد الرحمن، الشعر الجاهلي، ص 284 .