تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وتتضح صورة النقل في الآية القرآنية الكريمة » وَاشتَعَل الرَّأْسُ شَيبَا « (1)، لأنَّ الاشتعال لم يستخدم في أصل وضعه في اللغة للشيب، ولكن المعنى نقل إلى الشيب، لأنَّ هناك تماثلاً وشبهاً بين النار السارية في الحطب والشيب المنتشر في الرأس، إذن فهناك تحول من ناحية إلى أخرى، سواء في حالة الإحراق أو في حالة تغير لون الشعر .

... وإذا كانت الاستعارة تقوم لدى الرماني وعلي بن عبد العزيز الجرجاني على فكرة » النقل « فإنَّها تقوم لدى عبد القاهر الجرجاني على فكرة » الإدعاء « و «الإثبات » (2)، كما أنَّها تتأسس لديه في ضوء »الإسناد« ففي الآية الكريمة » واشتعل الرأس شيبا « يتم » الإسناد « عن » طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء وهو لما هو من سببه فيرفع به ما يسند إليه ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوباً بعده مبيناً أنَّ ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول انما كان من أجل هذا الثاني ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة « (3)، واخذ عبد القاهر الجرجاني يقارن بين تركيب الآية القرآنية وتركيبين آخرين هما : » واشتعل شيب الرأس « و» اشتعل الشيب في الرأس « مؤكداً أنَّ التركيب القرآني يتفوق على التركيبين الآخرين، والسبب في ذلك لأنَّ الفعل » اشتعل إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل، ولم بانَ بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة فإنَّ السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول وانه قد شاع فيه، واخذ من نواحيه، وأنه قد استغرقه، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء أو لم يبق منه إلا ما يعتد به « (4) .

(1) ـ سورة مريم، آية : 4 .

(2) ـ عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 296 .

(3) ـ نفسه، ص 75 ـ 76 .

(4) ـ نفسه، ص 76، وقارن ذلك في ص 276 و290 .

الشعر الجاهلي · الصفحة ١٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشعر الجاهليص ١٨٧