إن ظاهر هذا البيت حكمة يقصد منها الشاعر الحديث عن السيف والغمد، ولكنه في حقيقته حديث عن الجوهر والعرضي، أو الثابت والمتغير، إذ يمثل السيف الجوهر والثابت لا العرضي والمتغير، فليست القيمة للغمد إنْ كان جديداً أو مزيناً أو بالياً، وإنما القيمة الحقيقية للسيف في حدته وقدرته على القطع في أثناء احتدام الخيول ونشوب المعارك، إذ يشتمل الحديث عن السيف والغمد حديث عن الخارجي الغمد، وعن الداخلي السيف والحق انَّ حديث عنترة هنا إنما هو مقابلة رمزية لقضية الخارج والداخل التي شغلته، أي حديث عن الغمد البالي أو الخارج المتمثل في اللون الأسود، وهو أمر لا قيمة له، وإنما القيمة للداخل السيف، أو جوهر الإنسان الذي يتبدى في سلوكه وأفعاله . ويميل عنترة إلى تفضيل الجوهر على العرض، والثابت على المتغير، وفي هذا يتعرض عنترة إلى معضلة اللون التي تقلقه وتؤرق عليه وجدانه .
... ويمكننا استكمال رؤية عنترة من خلال البيت الشعري الثالث الذي يقول فيه :
المالُ مالكمُ والعبدُ عبدُكمُ
فهل عذابُكِ عنّي اليومَ مصروفُ (1)
إن صدر البيت يقرر حقيقة تؤكد ملامح الفوارق الطبقية، وتنبئ عن ملامح الاستعلاء بين السيد والعبد، طبقة وثراء، ولذا كان الحديث عن العبودية والمال متوازناً في جملتين اسميتين : المالُ مالكمُ والعبدُ عبدُكمُ، وهما متوازنتان نحواً وإيقاعا، فعلى المستوى التركيب النحوي يصل التماثل حداً كبيراً بين المبتدأ والخبر في الجملتين :
... المبتدأ : المال، العبد
... الخبر : مالكم، عبدكم
ومما يثير الانتباه ... أنَّ الخبر تكرار للمبتدأ يفيد التوكيد، ولكنه مضاف إلى ضمير الجماعة «مالكم وعبدكم » فهذا يؤكد الملمح الاستعلائي والطبقي .
(1) ـ ... نفسه، ص 22 .