وعاقبة حميدة واستقبحه الشرع، والعطف حينئذٍ لتنزيل تغاير الوصفية لمنزلة تغاير الحقيقة فإن ذلك سوء لاغتمام العاقل، والفحشاء باستقباحه إياه، ولعل الداعي إلى هذا القول أنه سبحانه سمى جميع المعاصي والفواحش سيئة في قوله - جل شأنه -: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ (1) " (2).
ولقد أجاد أبو السعود في التفريق بين السوء والفحشاء في كلمات قليلة حيث يقول: " السوء في الأصل مصدر ساءه يسوءه سوءاً ومساءة إذا ... أحزنه، يطلق على جميع المعاصي سواء كانت من أعمال الجوارح أو أفعال القلوب لاشتراكها كلها في أنها تسوء صاحبها، والفحشاء أقبح أنواعها وأعظمها مساءة " (3).
وهذا القول قريب من سياق الآية حيث تحذر من العموم، ثم تخص منه ما فحش واستشاط شره، ويشهد لهذا المعنى الفحشاء التي تحدث عنها القرآن الكريم بعد تحذيره من إبليس في قصة آدم في الأعراف، حيث يقول ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (4) فقد ورد في التفسير أن هذه الفاحشة التي استقبحها الله عليهم هي فعلة شنعاء فاضحة كان يعملها العرب، يقول ابن كثير: " كانت العرب - ما عدا قريشاً - لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثيابٍ عصوا الله فيها، وكانت قريش - وهم الحُمس (5) - يطوفون في ثيابهم، فمَن أعاره أحمسُ ثوباً طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه، ثم يلقيه، فلا يتملكه أحد، فمن لم يجد ثوباً جديداً ولا أعاره أحمسٌ ثوباً، طاف عرياناً، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الشيء وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله، وأكثر ما كان النساء يطفن
(1) - سورة البقرة، الآية 81.
(2) - روح المعاني - للألوسي - م 2 - ج 2 - ص 59، 60.
(3) - إرشاد العقل السليم - لأبي السعود - ج 1 - ص 188.
(4) - سورة الأعراف، الآية 28.
(5) - الحمس: قريش لأنهم كانوا يتشددون في دينهم وشجاعتهم فلا يطاقون وقيل كانوا لا يستظلون أيام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون ولا يسلئون السمن ولا يلقطون الجلة، لسان العرب - لابن منظور - ج 6 - ص 57.