إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) (1)، وأما في تبليغ الوحي والدين المنزل من الله - سبحانه وتعالى - فإن الأنبياء معصومون عن نسيان شيء مما أمرهم الله بتبليغه من حلال أو حرام، لقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (2) " (3).
والشيطان يطمع دوماً لإيقاع أعدائه في نسيان ما أمرهم الله به، أو ما نهاهم عنه ولو للحظة واحدة علّه يفوِّت عليهم خيراً أراده الله لهم، أو يوقعهم في شرٍّ كرهه الله لهم، فالنسيان المذموم إذاً هو ما يكون من الشيطان بإلهاء العبد وإشغاله عن الطاعة والعبادة، أو بإنسائه أوامر الله من حلال و حرام فيدفعه إلى ارتكاب ما نهى الله عنه فها هو يحاول جهده أن ينسي فتى نبي الله موسى - عليه السلام - حوتَهما يقول الطاهر بن عاشور: " ومع كون المنسي أعجوبة شأنها ألا تُنسى، يتعيَّن أن الشيطان ألهاه بأشياء عن أن يتذكر ذلك الحادث العجيب، وعلِم يوشع أن الشيطان يسوؤه التقاء هذين العبدين الصالحين، وما له من الأثر في بث العلوم الصالحة، فهو يصرف عنها ولو بتأخر وقوعها طمعاً في حدوث ... العوائق " (4).
وقد يقع الإنساء على الأنبياء فيما لا يؤثر على الوحي أو التشريع - كما أسلفنا -، وهذا ما وقع على نبيّ الله يوسف - عليه السلام - حيث أنساه الشيطان تعليق خروجه من السجن بالمشيئة فتأخر خروجه بضع سنين ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ (5) وقد اختلف المفسرون في عود الضمير في كلمة (فأنساه) هل هو إلى يوسف - إذ لم يعلق خروجه من السجن على مشيئة الله - أو إلى الناجي، ولهم في ذلك كلام كثير، فممن ذهب إلى أن الضمير يعود إلى الناجي ابن كثير حيث يقول: " فأنساه الشيطان ذكر ربه عائد على الناجي كما قاله مجاهد ومحمد ابن إسحاق وغير واحد، ويقال إن الضمير عائد على يوسف عليه السلام رواه بن جرير عن بن عباس ومجاهد أيضا وعكرمة وغيرهم، وأسند ابن جرير ها هنا حديثا عن بن عباس مرفوعا قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يقل يعني يوسف الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله. وهذا الحديث ضعيف جداً لأن سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد هو الجوزي أضعف منه أيضاً، وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما وهذه المرسلات ها هنا لا تقبل من قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن والله أعلم " (6)، وقد ذهب آخرون إلى أن الضمير يعود على يوسف - عليه السلام - يقول الرازي: " وفيه قولان الأول: أنه راجع إلى يوسف والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه ... القول الثاني أن يقال إن قوله فأنساه الشيطان ذكر ربه راجع إلى الناجي، والمعنى أن الشيطان أنسى ذلك الفتى أن يذكر يوسف للملك حتى طال الأمر فلبث في السجن بضع سنين بهذا السبب، ومن الناس من قال: القول الأول أولى لما روي عنه عليه السلام قال رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ... واعلم أن الحق هو القول الأول، وما ذكره هذا القائل الثاني تمسك بظاهر الشريعة وما قرره القائل ... الأول تمسك بأسرار الحقيقة ومكارم الشريعة ومن كان له ذوق في مقام العبودية وشرب من مشرب التوحيد عرف أن الأمر كما ذكرناه، وأيضا ففي لفظ الآية ما يدل على أن هذا القول ضعيف لأنه لو كان المراد ذلك لقال فأنساه الشيطان ذكره لربه " (7).
والفيصل في هذا الأمر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ضعفه ابن كثير، وأخذ به آخرون، فقد ورد هذا الحديث بنحوه من طريق أخرى في صحيح ابن حبان (8)، وقد أورده الألباني أيضاً في صحيح الجامع (9)، فهذا
(1) - وهذا الحديث مخرّج بطوله في البخاري عن علقمة عن عبد الله: موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح البخاري - كتاب الصلاة - باب: التوجه نحو القبلة - ص 34 - ح 401.
(2) - سورة القيامة، الآيات 16 - 18.
(3) - التفسير المنير - للزحيلي - ج 7 - ص 248.
(4) - التحرير والتنوير - لابن عاشور - م 7 - ج 15 - ص 367.
(5) - سورة يوسف، الآية 42.
(6) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 7 - ص 480.
(7) - التفسير الكبير - للرازي - ج 9 - ص 116 - 118.
(8) - صحيح ابن حبان - ج 14 - ص 86 - ح 6206.
(9) - صحيح الجامع الصغير - ج 2 - ح 3984.