لم يهنأ الحال للمسلمين عقب دخولهم بلاد فارس ، ولم يكن توغلهم في شعابها سهلاً ميسراً ، ولم يلقوا من عنف المقاومة مثلما لقوا في تلك المناطق ، التي لم يكن لهم بها سابق معرفة ، فأقدامهم لم تطرقها ، كما طرقت ارض الشام ومصر ، أضف إلى ذلك طبيعتها القاسية ، فمن جبال تكسوها الثلوج ، إلى منخفضات تغمرها المستنقعات . إلا أن وعورة الطبيعة تهون ، بالقياس إلى عنف المقاومة ، التي واجهتهم من جانب الفرس ، فالمسلمون هنا ـ في فارس ـ يواجهون إمبراطورية ضخمة ، عاصرت التاريخ أحقاباً طويلة ، وبسطت سلطانها على رقعة كبيرة من العالم ، وكان لها جذور عميقة في مجالات الحكم والسياسة ، وفي الإدارة والثقافة . وكانت هذه الجذور تمكن للشعور الإيراني القومي مع الزمن المتصل أن يزكو ، وأن يستعلى ، ولذلك لم يكن يسيراً على هذه الجيوش الإسلامية المتقدمة بعد دجلة أو عبر الخليج ، أن تطوي ذلك كله في حركة سريعة ، بل كان هناك نضال طويل لم يخمد ساعة من زمن ، كان مقاومة سافرة في أول الأمر ، وكان انتفاضاً بعد ذلك ، ثم كان سلسلة من الارتدادات المتلاحقة ، وأخيراً كان ـ بعد أن دخل الكثيرون الإسلام ـ تشبثاً بالنزعة القومية ، التي توشك أن تذوب . ومن هنا كان تفانيهم في المقاومة ، ومن هنا كان هذا التاريخ الطويل الذي استغرق صفحات التاريخ الإسلامي ، واتخذ صوراً مختلفة ، من الصراع الديني والمذهبي والسياسي والاجتماعي والثقافي . ولما كان العراق هو مركز العمليات الحربية الكبرى ، وقاعدة انطلاق القوات العربية المتجهة نحو فارس وما وراءها ، ثم هو بعد ذلك حاضرة الخلافة الإسلامية ، ومصدر الإشعاع الحضاري في النظام الجديد ، فقد كان من الطبيعي أن يكون العراق مسرح الصراع ، وحافة الصدام مع القومية الفارسية المتحفزة ، لاستعادة مجدها القديم .
الشيعة قادمون · الصفحة ٥٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الشيعة قادمونص ٥٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي