تخطَّ إلى المحتوى

| نيل الأوطار

| مقدمة الكتاب

نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ( حديث شريف ) | ( أحمدك يا من شرح صدورنا بنيل الأوطار من علوم السنة ، وأفاض على قلوبنا من أنوار معارفها ما أزاح عنا من ظلم الجهالات كل دجنة . وحماها بحماة صفدوا بسلاسل أسانيدهم الصادقة أعناق الكذابين . وكفاها بكفاة كفوا عنها أكف غير المتأهلين من المنتابين المرتابين . فغدا معينها الصافي غير مقذر بالأكدار . وزلال عذبها الشافي غير مكدر بالأقذار . | والصلاة والسلام على المنتقى من عالم الكون والفساد . المصطفى لحمل أعباء أسرار الرسالة الإلهية من بين العباد . المخصوص بالشفاعة العظمى في يوم يقول فيه كل رسول : نفسي نفسي ، ويقول : ' أنا لها أنا لها ' . | القائل : ' بعثت إلى الأحمر والأسود ' أكرم بها مقالة ما قالها نبي قبله ولا نالها . وعلى آله المطهرين من جميع الأدناس والأرجاس . الحافظين لمعالم الدين عن الاندراس والانطماس وعلى أصحابه الجالين بأشعة بريق صوارمهم دياجر الكفران . الخائضين بخيلهم ورجلهم لنصرة دين الله بين يدي رسول الله كل معركة تتقاعس عنها الشجعان ، وبعد | فإنه لما كان الكتاب الموسوم بالمنتقى من الأخبار في الأحكام . مما لم ينسج على بديع منواله ولا حرر على شكله ومثاله أحد من الأئمة الأعلام . قد جمع من السنة المطهرة ما لم يجتمع في غيره من الأسفار . وبلغ إلى غاية في الإحاطة بأحاديث الأحكام تتقاصر عنها الدفاتر الكبار . | وشمل من دلائل المسائل جملة نافعة تفنى دون الظفر ببعضها طوال الأعمار . وصار مرجعا لجلة العلماء عند الحاجة إلى طلب الدليل لا سيما في هذه الديار وهذه الأعصار . فإنها تزاحمت على مورده العذب أنظار المجتهدين . وتسابقت على الدخول في أبوابه أقدام الباحثين من المحققين . وغدا ملجأ للنظار يأوون إليه . ومفزعا للهاربين من رق التقليد يعولون عليه . وكان كثيرا ما يتردد الناظرون في صحة بعض دلائله . ويتشكك الباحثون في الراجح والمرجوح عند تعارض بعض مستندات مسائله . حمل حسن الظن بي جماعة من حملة العلم بعضهم من مشايخي على أن التمسوا مني القيام بشرح هذا الكتاب . | وحسنوا لي السلوك في هذه المسالك الضيقة التي يتلون الخريت في موعرات شعابها والهضاب . فأخذت في إلقاء المعاذير . وأبنت تعسر هذا المقصد على جميع التقادير وقلت : القيام بهذا الشأن يحتاج إلى جملة من الكتب يعز وجودها في هذه الديار . والموجود منها محجوب بأيدي جماعة عن الأبصار . بالاحتكار والادخار كما تحجب الأبكار . ومع هذا فأوقاتي مستغرقة بوظائف الدرس والتدريس ، والنفس مؤثرة لمطارحة مهرة المتدربين في المعارف على كل نفيس . | وملكتي قاصرة عن القدر المعتبر في هذا العلم الذي قد درس رسمه ، وذهب أهله منذ أزمان قد تصرمت ، فلم يبق بأيدي المتأخرين إلا اسمه لا سيما وثوب الشباب قشيب ، وردن الحداثة بمائها خصيب . | ولا ريب أن لعلو السن وطول الممارسة في هذا الشأن أوفر نصيب . فلما لم ينفعني الإكثار من هذه الأعذار ولا خلصني من ذلك المطلب ما قدمته من الموانع الكبار ، صممت على الشروع في هذا المقصد المحمود . وطمعت أن يكون قد أتيح لي أني من خدم السنة المطهرة معدود . وربما أدرك الطالع شأو الضليع وعد في جملة العقلاء المتعاقل الرقيع ، وقد سلكت في هذا الشرح لطول المشروح مسلك الاختصار . وجردته عن كثير من التعريفات والمباحثات التي تفضي إلى الإكثار ، لا سيما في المقامات التي يقل فيها الاختلاف ، ويكثر بين أئمة المسلمين في مثلها الائتلاف . | وأما في مواطن الجدال والخصام فقد أخذت فيها بنصيب من إطالة ذيول الكلام ؛ لأنها معارك تتبين عندها مقادير الفحول . ومفاوز لا يقطع شعابها وعقابها إلا نحارير الأصول ، ومقامات تتكسر فيها النصال على النصال . ومواطن تلجم عندها أفواه الأبطال بأحجار الجدال . ومواكب تعرق فيها جباه رجال حل الإشكال والإعضال . | وقد قمت ولله الحمد في هذه المقامات مقاما لا يعرفه إلا المتأهلون . ولا يقف على مقدار كنهه من حملة العلم إلا المبرزون . فدونك يا من لم يذهب ببصر بصيرته أقوال الرجال . ولا تدنست فطرة عرفانه بالقيل والقال . شرحا يشرح الصدور ويمشي على سنن الدليل وإن خالف الجمهور ، وإني معترف بأن الخطأ والزلل هما الغالبان على من خلقه الله من عجل ، ولكني قد نصرت ما أظنه الحق بمقدار ما بلغت إليه الملكة . | ورضت النفس حتى صفت عن قذر التعصب الذي هو بلا ريب الهلكة . وقد اقتصرت فيما عدا هذه المقامات الموصفات على بيان حال الحديث وتفسير غريبه ، وفيه يستفاد منه بكل الدلالات ، وضممت إلى ذلك في غالب الحالات الإشارة إلى بقية الأحاديث الواردة في الباب مما لم يذكر في الكتاب لعلمي بأن هذا من أعظم الفوائد التي يرغب في مثلها أرباب الألباب من الطلاب . ولم أطول ذيل هذا الشرح بذكر تراجم رواة الأخبار ؛ لأن ذلك مع كونه علما آخر يمكن الوقوف عليه في مختصر من كتب الفن من المختصرات الصغار . | وقد أشير في النادر إلى ضبط اسم راو أو بيان حاله على طريق التنبيه . لا سيما في المواطن التي هي مظنة تحريف أو تصحيف لا ينجو منه غير النبيه . وجعلت ما كان للمصنف من الكلام على فقه الأحاديث وما يستطرده من الأدلة في غضونه من جملة الشرح في الغالب ، ونسبت ذلك إليه ، وتعقبت ما ينبغي تعقبه عليه ، وتكلمت على ما لا يحسن السكوت عليه مما لا يستغني عنه الطالب ، كل ذلك لمحبة رعاية الاختصار وكراهة الإملال بالتطويل والإكثار ، وتقاعد الرغبات وقصور الهمم عن المطولات . | وسميت هذا الشرح لرعاية التفاؤل . الذي كان يعجب المختار . نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار والله المسئول أن ينفعني به ومن رام الانتفاع به من إخواني ، وأن يجعله من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعها بعد أن أدرج في أكفاني . وقبل الشروع في شرح كلام المصنف نذكر ترجمته على سبيل الاختصار فنقول : هو الشيخ الإمام علامة عصره المجتهد المطلق ، أبو البركات شيخ الحنابلة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن الخضر بن محمد بن علي بن عبد الله الحراني المعروف بابن تيمية . | قال الذهبي في النبلاء : ولد سنة تسعين وخمسمائة تقريبا ، وتفقه على عمه الخطيب ، وقدم بغداد وهو مراهق مع السيف ابن عمه ، وسمع من أحمد ابن سكينة وابن طبرزد ويوسف بن كامل ، وعدة ، وسمع بحران من حنبل وعبد القادر الحافظ ، وتلا بالعشر على الشيخ عبد الواحد بن سلطان . حدث عنه ولده شهاب الدين والدمياطي وأمين الدين بن شقير وعبد الغني بن منصور ومحمد بن البزار والواعظ محمد بن عبد المحسن وغيرهم ، وتفقه وبرع واشتغل وصنف التصانيف ، وانتهت إليه الإمامة في الفقه ودرس القراءات ، وصنف فيها أرجوزة . تلا عليه الشيخ القيرواني . وحج في سنة إحدى وخمسين على درب العراق ، وابتهر علماء بغداد لذكائه وفضائله والتمس منه أستاذ دار الخلافة محيي الدين بن الجوزي الإقامة عندهم فتعلل بالأهل والوطن . | قال الذهبي : سمعت الشيخ تقي الدين أبا العباس يقول : كان الشيخ ابن مالك يقول : ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد . قال الشيخ : وكانت في جدنا حدة ، اجتمع ببعض الشيوخ وأورد عليه مسألة ، فقال : الجواب عنها من ستين وجها : الأول كذا ، والثاني كذا ، وسردها إلى آخرها ، وقد رضينا عنك بإعادة أجوبة الجميع فخضع له وابتهر . قال العلامة ابن حمدان : كنت أطالع على درس الشيخ وما أبقي ممكنا ، فإذا أصبحت وحضرت ينقل أشياء غريبة لم أعرفها . قال الشيخ تقي الدين : وجدناه عجيبا في سرد المتون وحفظ المذاهب بلا كلفة ، وسافر مع ابن عمه إلى العراق ليخدمه وله ثلاث عشرة سنة ، فكان يبيت عنده يسمعه يكرر مسائل الخلاف فيحفظ المسألة . | وأبو البقاء شيخه في النحو والفرائض ، وأبو بكر بن غنيمة شيخه في الفقه ، وأقام ببغداد ستة أعوام مكبا على الاشتغال ، ثم ارتحل إلى بغداد قبل العشرين وستمائة ، فتزيد من العلم وصنف التصانيف مع الدين ، والتقوى وحسن الاتباع . وتوفي بحران يوم الفطر سنة اثنتين وخمسين وستمائة . وإنما قيل لجده : تيمية ؛ لأنه حج على درب تيماء فرأى هناك طفلة ، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتا فقال : يا تيمية يا تيمية فلقب بذلك . | وقيل : إن أم جده كانت تسمى تيمية ، وكانت واعظة ، وقد يلتبس على من لا معرفة له بأحوال الناس صاحب الترجمة هذا بحفيده شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم شيخ ابن القيم الذي له المقالات التي طال بينه وبين أهل عصره فيها الخصام ، وأخرج من مصر بسببها ، وليس الأمر كذلك . | قال في تذكرة الحفاظ في ترجمة شيخ الإسلام : هو أحمد بن المفتي عبد الحليم بن الشيخ الإمام المجتهد عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني وعم المصنف الذي أشار الذهبي في أول الترجمة أنه تفقه عليه ، ترجم له ابن خلكان في تاريخه فقال : هو أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله المعروف بابن تيمية الحراني الملقب فخر الدين الخطيب الواعظ الفقيه الحنبلي كان فاضلا تفرد في بلده بالعلم . | ثم قال : وكانت إليه الخطابة بحران ولم يزل أمره جاريا على سداد ، ومولده في أواخر شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بمدينة حران ، وتوفي بها في حادي عشر صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة ، ثم قال : وكان أبوه أحد الأبدال والزهاد . | قال المصنف قدس الله روحه ونور ضريحه : ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( 1 ) الذي ( ( خطأ ) لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ( ( 2 ) افتتح الكتاب بحمد الله سبحانه وتعالى أداء لحق شيء مما يجب عليه من شكر النعمة ، التي من آثارها تأليف هذا الكتاب ، وعملا بالأحاديث الواردة في الابتداء به كحديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه وأبي عوانة والدارقطني وابن حبان والبيهقي عنه ( ( كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم ( ( 3 ) . واختلف في وصله وإرساله ، فرجح النسائي والدارقطني الإرسال . | وأخرج الطبراني في الكبير والرهاوي عن كعب بن مالك عنه ( أنه قال : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع ( ( 4 ) . | وأخرج أيضا ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ . ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع ( ( 5 ) . وأخرجه أيضا أبو داود عنه ، وكذلك النسائي وابن ماجه ، وفي رواية : ' أبتر ' بدل ' أقطع ' ، وله ألفاظ أخر أوردها الحافظ عبد القادر الرهاوي في الأربعين له ، وسيذكر المصنف رحمه الله حديث أبي هريرة هذا في باب اشتمال الخطبة على حمد الله من أبواب الجمعة . | والحمد في الأصل مصدر منصوب بفعل مقدر حذف حذفا قياسيا كما صرح بذلك الرضي ورجحه ، أو سماعيا كما ذهب إليه غيره . وعدل به إلى الرفع للدلالة على الدوام المستفاد من الجملة الاسمية ولو بمعونة المقام لا من مجرد العدول إذ لا مدخلية له في ذلك . وحلي باللام ليفيد الاختصاص الثبوتي وهو مستلزم للقصر فيكون الحمد مقصورا عليه تعالى ، إما باعتبار أن كل حمد لغيره آيل إليه ، أو منزل منزلة العدم مبالغة وادعاء ، أو لكون الحمد له جل جلاله هو الفرد الكامل . | والحمد هو الوصف بالجميل على الجميل الاختياري للتعظيم ، وإطلاق الجميل الأول لإدخال وصفه تعالى بصفاته الذاتية ، فإنه حمد له وتقييد الثاني بالاختياري لإخراج المدح فيكون على هذا أعم من الحمد مطلقا ، وقيل : هما أخوان ، وذكر قيد التعظيم لإخراج ما يأتي به من المشعرات بالتعظيم على سبيل الاستهزاء والسخرية ، ولكنه يستلزم اعتبار فعل الجنان وفعل الأركان في الحمد ؛ لأن التعظيم لا يحصل بدونهما . | وأجيب بأنهما فيه شرطان لا جزآن ولا جزئيان ، ومن ههنا يلوح صحة ما قاله الجمهور من أن الحمد أعم من الشكر متعلقا ، وأخص موردا لا كما زعمه البعض من أن الحمد أعم مطلقا لمساواته الشكر في المورد وزيادته عليه بكونه أعم متعلقا . ومما ينبغي أن يعلم ههنا أن الحمد يقتضي متعلقين هما : المحمود به ، والمحمود عليه ، فالأول : ما حصل به الحمد ، والثاني : الحامل عليه كحمدك لزيد بالكرم في مقابلة الإنعام ، وقد يكون التغاير اعتبارا مع الاتحاد ذاتا كالحمد منك لمنعم بإنعامه عليك في مقابلة ذلك الإنعام ، فإن الإنعام من حيث الصدور من المنعم محمود به ومن حيث الوصول إليك محمود عليه . | وتقديم الحمد الذي هو المبتدأ على الله الذي هو الخبر لا بد له من نكتة ، وإن كان أصل المبتدإ التقديم ، وهي ترجيح مطابقة مقتضى المقام ، فإنه مقام الحمد الاسم الشريف ، وإن كان مستحقا للتقديم من جهة ذاته فرعاية ما يقتضيه المقام ألصق بالبلاغة من رعاية ما تقتضيه الذات . لا يقال : الحمد الذي هو إثبات الصفة الجميلة للذات لا يتم إلا بمجموع الموضوع والمحمول ؛ لأنا نقول : لفظ الحمد هو الدال على مفهوم فقدم من هذه الحيثية وإن كان لا يتم ذلك الإثبات إلا بالمجموع ، اللام داخلة على اسمه تعالى تفيد الاختصاص الإثباتي ، وهو لا يستلزم القصر كما لا يستلزمه الثبوتي . والله اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد ، ولذلك آثره على غيره من أسمائه جل جلاله ، وإنما كان هذا الاسم هو المستجمع لجميع الصفات دون غيره من الأسماء ؛ لأن الذات المخصوصة هي المشهورة بالاتصاف بصفات الكمال ، فما يكون علما لها دالا عليها بخصوصها يدل على هذه الصفات ، لا ما يكون موضوعا لمفهوم كلي ، وإن اختص في الاستعمال بها كالرحمن ، وهذا إنما يتم على القول بأن لفظ الله علم للذات كما هو الحق وعليه الجمهور ، لا المفهوم كما زعمه البعض . | وأصله الإله حذفت الهمزة وعوضت منها لام التعريف تخفيفا ، ولذلك لزمت وصفه بنفي الولد والشريك ؛ لأن من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة ويستحق جنس الحمد ، ولك أن تجعل نفي هذه الصفة التي يكون إثباتها ذريعة من ذرائع منع المعروف لكون الولد مبخلة ، والشريك مانعا من التصرف رديفا لإثبات ضدها على سبيل الكناية . وإنما افتتح المصنف - رحمه الله تعالى - كتابه بهذه الآية مع إمكان تأدية الحمد الذي يشرع في الافتتاح بغيرها ، لما روي عنه ( أنه كان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية ، أخرجه عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة في مصنفه ، وابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رسول الله ( فذكره ، ثم عطف على تلك الصفة النفيية صفة إثباتية مشتملة على أنه جل جلاله خالق الأشياء بأسرها ومقدرها دقها وجلها | ولا شك أن نعمة خلق الخلق وتقديره من البواعث على الحمد وتكريره لكون ذلك أول نعمة أنعم الله بها على الحامد | ( وصلى الله على محمد النبي الأمي المرسل كافة للناس بشيرا ونذيرا ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ) أردف الحمد بالصلاة على رسوله ( لكونه الواسطة في وصول الكمالات العلمية والعملية إلينا من الرفيع عز سلطانه وتعالى شأنه ، وذلك ؛ لأن الله تعالى لما كان في نهاية الكمال ونحن في نهاية النقصان لم يكن لنا استعداد لقبول الفيض الإلهي لتعلقنا بالعلائق البشرية والعوائق البدنية ، وتدنسنا بأدناس اللذات الحسية والشهوات الجسمية ، وكونه تعالى في غاية التجرد ونهاية التقدس . | فاحتجنا في قبول الفيض منه جل وعلا إلى واسطة له وجه تجرد ونوع تعلق ، فبوجه التجرد يستفيض من الحق ، وبوجه التعلق يفيض علينا ، وهذه الواسطة هم الأنبياء ، وأعظمهم رتبة وأرفعهم منزلة نبينا ( فذكر عقب ذكره - جل جلاله - تشريفا لشأنه مع الامتثال لأمر الله سبحانه . | ولحديث أبي هريرة عند الزهاوي بلفظ : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع ( ( 6 ) وكذلك التوسل بالصلاة على الآل والأصحاب لكونهم متوسطين بيننا وبين نبينا ( فإن ملاءمة الآل والأصحاب لجنابه أكثر من ملاءمتنا له . | والصلاة في الأصل : الدعاء وهي من الله الرحمة ، هكذا في كتب اللغة ، وقال القشيري : هي من الله لنبيه تشريف وزيادة تكرمة ، ولسائر عباده رحمة . قال في شرح المنهاج : إن معنى قولنا : اللهم صل على محمد : عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإبقاء شريعته ، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته . | وههنا أمر يشكل في الظاهر هو أن الله أمرنا بأن نصلي على نبيه ( ونحن أحلنا الصلاة عليه في قولنا : اللهم صل على محمد وكان حق الامتثال أن نقول : صلينا على النبي وسلمنا ، فما النكتة في ذلك ؟ قال في شرح المنهاج : فيه نكتة شريفة كأننا نقول : يا ربنا أمرتنا بالصلاة عليه وليس في وسعنا أن نصلي صلاة تليق بجنابه ؛ لأنا لا نقدر قدر ما أنت عالم بقدره ( فأنت تقدر أن تصلي عليه صلاة تليق بجنابه انتهى . | ومحمد علم لذاته الشريفة ، ومعناه الوصفي كثير المحامد ، ولا مانع من ملاحظته مع العلمية كما تقرر في مواطنه . وآثر لفظ النبي لما فيه من الدلالة على الشرف والرفعة على ما قيل : إنه من النبوة ، وهي ما ارتفع من الأرض . | قال في الصحاح : إن جعلت لفظ النبي مأخوذا من ذلك فمعناه أنه شرف على سائر الخلق وأصله غير الهمزة وهو فعيل بمعنى مفعول . والنبي في لسان الشرع : من بعث إليه بشرع فإن أمر بتبليغه فرسول ، وقيل : هو المبعوث إلى الخلق بالوحي لتبليغ ما أوحاه . والرسول قد يكون مرادفا له وقد يختص بمن هو صاحب كتاب . قيل : هو المبعوث لتجديد شرع أو تقريره ، والرسول : هو المبعوث للتجديد فقط . وعلى الأقوال : النبي أعم من الرسول | والأمي : من لا يكتب ، وهو في حقه ( وصف مادح لما فيه من الدلالة على صحة المعجزة وقوتها باعتبار صدورها ممن هو كذلك ، وذكر المرسل بعد ذكر النبي لبيان أنه مأمور بالتبليغ ، أو صاحب كتاب ، أو مجدد شرع بطريق أدل على هذه الأمور من الطريق الأولى وإن اشتركا في أصل الدلالة على ذلك ، وإيثار هذه الصفة : أعني إرساله إلى الناس كافة لكونه لا يشاركه فيها غيره من الأنبياء . وكافة منصوب على الحال وصاحبها الضمير الذي في المرسل ، والهاء فيه للمبالغة ، وليس بحال من الناس ؛ لأن الحال لا تتقدم على صاحبها المجرور على الأصح ، وعند أبي علي وابن كيسان وغيرهما من النحويين أنه يجوز تقدم الحال على الصاحب المجرور ، وقيل : إنه منصوب على صيغة المصدرية ، والتقدير المرسل رسالة كافة . | ورد بأن كافة لا تستعمل إلا حالا . والبشير النذير : المبشر والمنذر وإنما عدل بهما إلى صيغة فعيل لقصد المبالغة . والآل أصله أهل بدليل تصغيره على أهيل . ولو كان أصله غيره لسمع تصغيره عليه ، ولا يستعمل إلا فيما له شرف في الغالب ، واختصاصه بذلك لا يستلزم عدم تصغيره ، إذ يجوز تحقير من له خطر أو تقليله على أن الخطر في نفسه لا ينافي التصغير بالنسبة إلى من له خطر أعظم من ذلك ، وأيضا لا ملازمة بين التصغير وبين التحقير أو التقليل ؛ لأنه يأتي للتعظيم كقوله : | وكل أناس سوف تدخل بينهم

| دويهية تصفر منها الأنامل

| وللتلطف كقوله : | يا ما أميلح غزلانا شدن لنا

. وقد اختلف في تفسير الآل على أقوال يأتي ذكرها في باب ما يستدل به على تفسير آله المصلى عليهم من أبواب صفة الصلاة . | والصحب بفتح الصاد وإسكان الحاء المهملتين : اسم جمع لصاحب كركب لراكب ، وقد اختلف في تفسير معنى الصحابي على أقوال : منها أنه من رأى النبي مسلما وإن لم يرو عنه ولا جالسه . ومنهم من اعتبر طول المجالسة . ومنهم من اعتبر الرواية عنه . ومنهم من اعتبر أن يموت على دينه . وبيان حجج هذه الأقوال وراجحها من مرجوحها مبسوط في الأصول وعلم الاصطلاح فلا نطول بذكره . | وذكر السلام بعد الصلاة امتثالا لقوله تعالى : ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ( ) ( ( ( ( 7 ) وفي معناه أقوال الأول : أنه الأمان أي التسليم من النار . وقيل : هو اسم من أسمائه تعالى ، والمراد : السلام على حفظك ورعايتك متول لهما وكفيل بهما . وقيل : هو المسالمة والانقياد . | ( هذا كتاب يشتمل على جملة من الأحاديث النبوية التي ترجع أصول الأحكام إليها ويعتمد علماء أهل الإسلام عليها ) الإشارة بقوله هذا إلى المرتب الحاضر في الذهن من المعاني المخصوصة أو ألفاظها أو نقوش ألفاظها ، أو المعاني مع الألفاظ ، أو مع النقوش ، أو الألفاظ والنقوش ، أو مجموع الثلاثة ، وسواء كان وضع الديباجة قبل التصنيف أو بعده ، إذ لا وجود لواحد منها في الخارج . | وقد يقال : إن نفي وجود النقوش في الخارج خلاف المحسوس فكيف يصح جعل الإشارة إلى ما في الذهن على جميع التقادير ؟ ويجاب بأن الموجود من النقوش في الخارج لا يكون إلا شخصا ، ومن المعلوم أن نقوش كتاب المصنف الموجود حال الإشارة مثلا ليست المقصودة بالتسمية بل المقصود وصف النوع وتسميته وهو الدال على تلك الألفاظ المخصوصة أعم من أن يكون ذلك الشخص أو غيره مما يشاركه في ذلك المفهوم ، ولا شك أنه لا حصول لهذا الكلي ، فالإشارة على جميع التقادير إلى الحاضر في الذهن فيكون استعمال اسم الإشارة هنا مجازا تنزيلا للمعقول منزلة المحسوس للترغيب والتنشيط . | قال الدواني : ومن ههنا علمت أن أسامي الكتب من أعلام الأجناس عند التحقيق ( انتقيتها من صحيحي البخاري ومسلم . ومسند الإمام أحمد بن حنبل . وجامع أبي عيسى الترمذي ، وكتاب السنن لأبي عبد الرحمن النسائي ، وكتاب السنن لأبي داود السجستاني . وكتاب السنن لابن ماجه القزويني ، واستغنيت بالعزو إلى هذه المسانيد عن الإطالة بذكر الأسانيد ) قوله : ( انتقيتها ) الانتقاء : الاختيار ، والمنتقى : المختار . | ولنتبرك بذكر بعض أحوال هؤلاء الأئمة على أبلغ وجه في الاختصار فنقول : أما البخاري فهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري حافظ الإسلام وإمام أئمته الأعلام . ولد ليلة الجمعة ثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ، وتوفي ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يوما ، ولم يعقب ولدا ذكرا . رحل في طلب العلم إلى جميع محدثي الأمصار وكتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر . | وأخذ الحديث عن جماعة من الحفاظ منهم مكي بن إبراهيم البلخي ، وعبدان بن عثمان المروزي ، وعبد الله بن موسى العبسي ، وأبو عاصم الشيباني . ومحمد بن عبد الله الأنصاري ، ومحمد بن يوسف الفريابي ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وعلي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وإسماعيل بن أبي أويس المدني ، وغير هؤلاء من الأئمة . وأخذ الحديث عنه خلق كثير قال الفربري : سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل فما بقي أحد يروي عنه غيري . | قال البخاري : خرجت كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث وما وضعت فيه حديثا إلا وصليت ركعتين . وله وقائع وامتحانات ومجريات مبسوطة في المطولات من تراجمه . | وأما مسلم فهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري أحد الأئمة ، الحفاظ ، ولد سنة أربع ومائتين ، كذا قاله ابن الأثير . وقال الذهبي في النبلاء : سنة ست . وتوفي عشية يوم الأحد لست أو لخمس أو لأربع بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة . | رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وأخذ الحديث عن يحيى بن يحيى النيسابوري ، وقتيبة بن سعيد ، وإسحاق بن راهويه ، وعلي بن الجعد ، وأحمد بن حنبل ، وعبد الله القواريري ، وشريح بن يونس ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي وحرملة بن يحيى ، وخلف

نيل الأوطار · الجزء ١ · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.