تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا يعني أنّ سبب الوجوب هو دخول رمضان، لكن لم أجد من صرّح بذلك من الفقهاء إلاّ القليل، وسبب ذلك هو كثرة الأحاديث الصحيحة التي تبيّن أنّ رؤية الهلال هي التي تعلمنا بدخول الشهر، وتأمر بالصيام عند حصولها، وبعضها يمنع الإعتماد على أية وسيلة أخرى،، حتّى صرّح الكثير منهم أنّ الصيام معلّق على الرؤية، أو بعضهم صرّح كما مرّ سابقاً أنّ الرؤية هي السبب الشرعي لوجوب الصيام، أو اكتفى بإمكان الرؤية سبباً للصيام. وسأذكر في هذا المبحث الأقوال التي اطلعّت عليها والتي تذكر أنّ سبب الوجوب هو دخول رمضان، وبالتالي فإنّ الرؤية هي مجرّد وسيلة لمعرفة السبب:

- ذكر الإمام النووي أنّه (لا يجب صوم رمضان إلاّ بدخوله، ويعلم بدخوله برؤية الهلال، فإن غمّ وجب إستكمال شعبان ثلاثين) (1) ومعنى ذلك أنّ دخول رمضان هو سبب وجوب الصيام، وأنّ رؤية الهلال هي وسيلة العلم بدخوله.

- ذكر السيد رشيد رضا أنّ غرض الشارع من تحديد الهلال كوسيلة لإثبات أول شهر رمضان وأول شهر شوال هو (العلم بهذه الأوقات، وليس التعبّد برؤية الهلال ... وما ذكره صلى الله عليه وسلم من نوط إثبات الشهر برؤية الهلال أو اكمال العدّة بشرطه، قد عللّه بكون الأمّة في عهده كانت أميّة، ومن مقاصد بعثته إخراجها من الأميّة لا إبقاؤها فيها ... ) (2) ويُفهم من ذلك أنّ سبب وجوب الصيام دخول الشهر، وإنّ رؤية الهلال هي وسيلة لذلك، وانّها كانت معلّلة، ويمكن استبدالها بوسيلة أخرى إذا تغيّرت العلّة، أو وجدت وسيلة أخرى أكثر يقيناً بتحقق السبب.

- ويفهم أيضاً عن أمير المؤمنين علي أبي طالب رضي الله عنه، أنّ سبب وجوب الصيام هو دخول رمضان وليس رؤية الهلال، وذلك من خلال ما ورد عنه في مسند زيد بن علي زين العابدين أنّ قوماً جاؤوا عليّاً فشهدوا أنّهم صاموا لرؤية الهلال، وأنّهم قد أتّموا ثلاثين، فقال عليّ: (إنّا لم نصم إلاّ ثمانية وعشرين يوماً، فدعا بهم، ودعا المصحف فأشهدهم بالله وبما فيه من القرآن العظيم ما كذبوا، ثمّ أمر الناس فأفطروا، وأمرهم بقضاء يوم ... ). وقد ورد مثل ذلك عن الوليد بن عتبة الليثي، قال (صمنا مع علي ثمانية وعشرين يوماً، فأمرنا يوم الفطر أن نقضي يوماً) (3) ويعنى ذلك أنّ سبب وجود الصيام عنده هو دخول الشهر، لأنّه اعتبر أنّ اليوم الذي أفطر فيه باعتباره من شعبان، هو في الحقيقة الأول من رمضان، وإن لم يثبت له ذلك عن طريق الوسيلة الشرعية المعتمدة: رؤية الهلال أو إكمال العدّة.

- وقد ذكر الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله، في معرض بحثه عن (السبب) أنّ (الشهر هو إمارة على وجوب الصوم) (4).

- كما ذكر الشيخ عبد الله الجديع (5) من أمثلة ما جعلته الشريعة سبباً: (دخول الشهر لوجوب صوم رمضان) أخذاً من قوله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ... ﴾ (6).

- وقد ذكر الدكتور عبد الكريم زيدان من أمثلة السبب الشرعي (دلوك الشمس لوجوب الصلاة، وشهر رمضان لوجوب الصيام) (7).

المبحث الرابع: إبطال القول بأنّ الرؤية أو إمكان الرؤية أو إكمال العدّة هي السبب الشرعي للصيام.

أولاً: إنّ تحديد السبب الشرعي للصيام ينحصر بين دخول الشهر أو رؤية الهلال.

ذلك أنه قد وردت كثير من الأحاديث الصحيحة التي يفهم منها أن الرؤية هي السبب، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ... ) وأمثاله. أما إمكان الرؤية فهي اعتبرت سبباً بالاجتهاد عند تعذّر الرؤية، وهي محاولة للتوفيق بين الأحاديث التي تعلّق الصوم على رؤية الهلال، وبين ما إذا تأكّدنا من وجود الهلال دون أن نراه.

(1) - المجموع للنووي (6/ 230)،

(2) - تفسير المنار (2/ 186)،

(3) - موسوعة علي بن أبي طالب- دار النفائس-بيروت، نقلاً عن مسند زيد بن علي (3/ 277) ومسند عبد الرزّاق (4/ 157) وسنن البيهقي (4/ 251) وكنز العمال (24320).

(4) - أصول الفقه- محمد أبو زهرة (ص56).

(5) - تيسير أصول الفقه- عبد الله الجديع – (ص54).

(6) - سورة البقرة:185.

(7) - الوجيز في أصول الفقه. الدكتور عبد الكريم زيدان ص55.

السبب الشرعي لوجوب صيام رمضان · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

السبب الشرعي لوجوب صيام رمضانص ٩