لقد رجحنا في تعريف السبب أنه ينحصر فيما لا يوجد بينه وبين الحكم علّة مناسبة، فإذا مضينا مع هذا الترجيح فنقول: إنّ الرؤية ليست سبباً شرعياً للصيام، لأنها معلّله بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: (إنّا أمّة أميّة لا نقرأ ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا) (1)، وإذا أخذنا بالقول الثاني، وهو أنّ السبب يمكن أن يكون علّة، فهذا سيضطرنا للقول بإمكان تغيير السبب، لأنّ الحكم كما هو معروف (يدور مع علّته وجوداً وعدماً) (2). وإذا لم نعتبر الرؤية هي السبب الشرعي للصيام، فإمكان الرؤية لا تكون سبباً أيضاً. أما إكمال العدّة فهي لا يمكن أن تكون سبباً، لأنّها ليست وسيلة لتحديد دخول الشهر، إنما هي (اعتماد الأحوط) في دخول الشهر والخروج منه، وقد يتبيّن خطؤها بعد ذلك في تحديد بداية الشهر أو نهايته، وقد حدث ذلك مئات المرّات.
ثانياً: يعرّف الأصوليون السبب بأنّه: (وصف ظاهر منضبط ... ). فالرؤية ليست وصفاً يتعلّق بالهلال وولادته- وهو المعوّل عليه في دخول الشهر – إنما هي وصف يتعلّق بالإنسان الذي يرى. وهو لا علاقة له بسببية الصيام، لأنّ سبب الصيام خارج عنه. والرؤية ليست وصفاً ظاهراً، ففي أكثر الأحيان وبالنسبة لأكثر الناس، وفي أكثر الأماكن، فإنّ الرؤية لا تتحقّق. دلّ ذلك على أنّها وصف (غير ظاهر) في أكثر الحالات. والرؤية ليست وصفاً منضبطاً لأنها تتأثّر بالأشخاص، وبالأماكن، وبالجو وبغير ذلك من الأسباب العلمية المعروفة.
لذلك فإنّ الرؤية لا تصلح لأن تكون سبباً شرعياً للصيام وفق تعريف الأصوليين. وإمكان الرؤية ليس سبباً من باب أولى.
وإكمال عدّة الشهر ليس سبباً لأنه لا يحدّد بداية الشهر ونهايته بل يعتمد الأحوط في ذلك. واعتماد الأحوط لا يكون إلاّ عند فقدان الدليل وعدم معرفة السبب.
ثالثاً: لم يعرف في الأحكام الشرعية التكليفية أنّها تبنى على سبب تخيري، إمّا رؤية الهلال أو إكمال العدّة، فالسبب الشرعي يكون دائماً واحداً، ولا يكون تخييراً بين أمرين. مثل: دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، وملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، والسفر سبب لإباحة الفطر وقصر الصلاة، والزنا سبب لوجوب الحدّ، والاضطرار سبب لإباحة الميتة، والجنون سبب لوجوب الحجر، والقتل سبب لوجوب القصاص، والموت سبب لإستحقاق الإرث، والنكاح سبب لحلّ المعاشرة الزوجية، والطلاق سبب لإزالة هذا الحل، وهكذا ...
بناءً على ذلك لا يصحّ من الناحية الأصولية أن نقول: إنّ رؤية هلال رمضان هي سبب وجوب صيامه، فإن لم ير الهلال فإنّ إكمال العدّة هي السبب، فمثل هذا التخيير ليس له مثيل في الأسباب، والصحيح أنّ يقال: إنّ دخول شهر رمضان هو سبب وجوب الصيام، ويعرف دخوله برؤية هلاله، والإّ فبإكمال العدّة. فالسبب لا يتغير، يقول الشاطبي: (ما أثبت سبباً، فهو سبب أبداً لا يرتفع ... ) (3) وهو هنا اختيار رمضان لإيجاب الصوم فيه، أمّا الوسيلة المستعملة للتحقق من وجود السبب فقد تكون قابلة للتغيير، وهي وسيلة تبقى مطلوبة بمقدار تحقيقها للهدف.
رابعاً: إذا قلنا أنّ الرؤية هي الوسيلة التي شرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفة بداية الشهر ونهايته، فإنّها تأخذ حكم الوسائل. والوسائل تتبع في حكمها للمقاصد وللأهداف، فهي معللة من حيث الأصل بإمكان تحقيق المقصد أو الهدف منها، فإذا تخلّفت الوسيلة عن تحقيق الهدف منها لا تعود مطلوبة شرعاً، وإذا وُجدت وسيلة أخرى (مشروعة) أفضل منها في تحقيق الهدف أصبحت هي المطلوبة شرعاً، لأنّ تحقيق المقاصد والأهداف الشرعية هو المطلوب، والوسائل إلى ذلك تكون مطلوبة بمقدار تحقيقها لتلك الأهداف.
لذلك يكون من طبيعة الوسائل أنّها قابلة للتغير بخلاف الأسباب، فهي أحكام شرعية وضعية غير قابلة للتغير. فإذا كان صيام رمضان من أوله إلى آخره بدون زيادة أو نقصان هو المقصد والهدف، لأنّه الحكم التكليفي، فإنّ رؤية الهلال أو إكمال العدّة، هي الوسيلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّها تحقق الهدف بيسر وسهولة، وبأكبر قدر من اليقين في ذلك العصر.
وهذا من أسباب اختيارنا التفريق بين السبب والعلّة، وترجيحنا (أنّ السبب ما لم تكن بينه وبين الحكم مناسبة) فهو بهذا المعنى غير قابل للتغير، أمّا إذا كانت بينه وبين الحكم مناسبة، فهو عند ذلك يأخذ حكم العلّة، والعلّة تدور مع المعلول وجوداً او عدماً كما هو معروف عند الأصوليين.
(1) - رواه البخاري.
(2) - قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (3 - 5/ 2).
(3) - الموافقات للشاطبي المقدمة التاسعة (54/ 1) طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.