ليبك يزيد ضارع. وقراءة من قرأ يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال وكذلك يوحي إليك ربك ببناء الفعل للمفعول في البيت وفي الآيتين، ومن البناء على السؤال المقدر ارتفاع المخصوص في باب نعم وبئس على أحد القولين وعسى أن نتعرض في فصل الإيجاز والأطناب لهذا الباب وإن هذا التركيب متى وقع موقعه رفع شأن الكلام في باب البلاغة على حيث يناطح السماك وموقعه أن يصل من بليغ عالم بجهات البلاغة بصير بمقتضيات الأحوال ساحر في اقتضاب الكلام ماهر في أفانين السحر على بليغ مثله مطلع من كل تركيب على حاق معناه وفصوص مستتبعا ته فإن جوهر الكلام البليغ مثله مثل الدرة الثمينة لا ترى درجتها تعلو ولا قيمتها تغلو ولا تشترى بثمنها ولا تجرى في مساومتها على سننها ما لم يكن المستخرج لها بصيرا بشأنها والراغب فيها خبيرا بمكانها وثمن الكلام أن يوفى من أبلغ الإصغاء وأحسن الاستماع حقه وأن يتلقى من القبول له والاهتزاز بأكمل ما استحقه ولا يقع ذلك ما لم يكن السامع عالما بجهات حسن الكلام معتقدا بأن المتكلم تعمدها في تركيبه للكلام عن علم منه، فإن السامع إذا جهلها لم يميز بينه وبين ما دونه وربما أنكره وكذلك إذا أساء بالمتكلم اعتقاده ربما نسبة في تركيبه ذاك على الخطأ وأنزل كلامه منزلة ما يليق به من الدرجة النازلة ومما يشهد لك بهذا ما يروى عن علي رضي الله عنه أنه كان يشيع جنازة فقال له قائل من المتوفى بلفظ اسم الفاعل سائلا عن المتوفى فلم يقل فلان بل قال الله ردا لكلامه عليه مخطئا إياه منبها له بذلك على أنه كان يجب أن يقول من المتوفى بلفظ اسم المفعول ويقال أن هذا الواقع كان أحد الأسباب التي دعته على استخراج علم النحو فأمر أبا الأسود الدؤلي بذلك فهو أول بذلك فهو أول أئمة علم النحو رضوان الله عليهم أجمعين وما فعل ذلك كرم الله وجهه إلا لأنه عرف من السائل أنه ما أورد لفظ المتوفى على الوجه الذي يكسوه جزالة في المعنى وفخامة في الإيراد وهو وجه القراءة المنسوبة إليه والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا بلفظ بناء الفعل للفاعل من إرادة معنى والذين يستوفون مدد أعمارهم وإذا عرفت هذا فنقول في التركيب الذي نحن فيه من مثل يكتب القرآن لي زيد برفع زيد مع بناء الفعل للمفعول جهات للحسن ومزايا نتلوها عليك ليكون لك ذريعة على درك ما سواها إذا شحذنا بها بصيرتك. ومنها أن الكلام متى نسج على هذا المنوال ناب مناب الجمل الثلاث إحداها يكتب القرآن لي والثانية الجملة المدلول عليها بزيد وهي من يكتبه والثالثة زيد مع الرافع المقدر وهي يكتبه زيد بخلافه إذا قيل يكتب القرآن لي زيد بلفظ المبني للفاعل ولا شبهة أن الكلام متى كان أجمع للفوائد كان أبلغ. ومنها أن الكلام متى سيق هذا المساق كان كل واحد من لفظي القرآن وزيد مقصودا إليه في الذكر غير مستغني عنه بخلافه في التركيب الآخر فإن لفظ القرآن فيه يعد فضلة والتقريب ظاهر. ومنها أن الكلام متى سلك به هذا المسلك لم يكن أوله مطعما في ذكر الكاتب فإذا أورد السامع فائدة ذكره كانت حاله كمن تيسر له غنيمة من حيث لا يحتسب بخلافه في النظم. ومنها أن الكلام على ذلك النظم يكون كالمتناقض من حيث الظاهر لأن كون القرآن مفعولا فضلة فيه يكون مؤذنا بأن مساس الحاجة إليه دون مساس الحاجة إلى الفاعل وكونه مقدما على الفاعل يكون مؤذنا بالاعتناء بشأنه وأن مساس الحاجة إليه فوق مساس الحاجة على ما أخر بخلافه في هذا النظم فإنه يكون سليما عن ذلك وفي هذا الوجه نظر يذكر في الحواشي، ومنها أن الكلام في التركيب الذي نحن فيه يفيد استنادا الكتبة على الفاعل إجمالا أولا وتفصيلا ثانيا وفي غيره يفيد استنادها إليه من وجه واحد فيكون هذا التركيب أبلغ ومن قبيل ما نحن بصدده وجعلوا لله شركاء الجن فلله شركاءهما مفعولا جعلوا وانتصاب الجن بفعل مضمر دل عليه السؤال المقدر وهو من جعلوا شركاء. وأما الحالة المقتضية لإثبات الفعل فاشتمال المقام على جهة من جهات الاستدعاء له والتلفظ به مما نبهت على أمثالها غير مرة. وأما الحالة المقتضية لتك مفعوله فهو القصد على التعميم والامتناع على أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره مع الاختصار وأنه أحد أنواع سحر الكلام حيث يتوصل بتقليل اللفظ على تكثير المعنى كقولهم: في باب المبالغة فلان يعطى ويمنع ويصل
مفتاح العلوم · الصفحة ٩٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ٩٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي