للوجه الذي علمت أيها المخصوص بتلاطم أواذي فكره دون أبناء جنسه المستودع في استكشافه عن أسرار البلاغة كمال أنسه النقاب المحدث فلا يحتجب عنه شيء من بدائع النكت في مكانها المستخرج للطائف السحر البياني عن معادنها المستطلع طلع الإعجاز التنزيلي باستغراق طوقه المالك لزمام الحكم كفاء المتحدين بعجيب فهمه وغريب ذوقه فهو الطلبة وماعداه ذرائع إليه وهو المرام وما سواه أسباب للتسلق عليه أن لابد من التصفح لمقتضيات الأحوال في إيراد المسند إليه على تلك الصور والكيفيات تعلم له أيضا أن لابد من التصفح عن الأحوال المقتضية لأنواع التفاوت في المسند من كونه متروكا تارة وغير متروك أخرى ومن كونه مفردا أو جملة وفي إفراده من كونه فعلا نحو قام زيد ويقوم وسيقوم أو اسما منكرا أو معرفا من جملة المعرفات مقيدا كل من ذلك بنوع قيد نحو ضربت يوم الجمعة وزيد رجل عالم وعمرو أخوك الطويل أو غير مقيد، وفي كونه جملة من كونها إسمية أو فعلية أو شرطية أو ظرفية ومن كونه مؤخرا أو مقدما حتى يتهيأ لك أن يتسم لكل مقام بسمته وأن يجري على حد مقتضاء على أقوم سمته فهو المطارح الذي تران فيه قوى القرائح والمطارد الذي يمتاز فيه الجدع عن القارح. أما الحالة المقتضية لترك المسند فهي متى كان ذكر المسند إليه بحال يعرف منه المسند وتعلق بتركه غرض: إما اتباع الاستعمال كقولهم ضربي قائما وأكثر شربي السويق ملتوتا وأحطب ما يكون الأمير قائما وقولهم.كل رجل وضيعته وقولهم لولا زيد لكان كذا ونحو ذلك، وأما قصد الاختصار والاحتراز عن العبث كما إذا قلت خرجت فإذا زيد أو قلت زيد منطلق وعمرو، وقوله عز من قائل " أفأنبئكم بشر من ذلكم النار " إذا حملته على تقدير النار شر من ذلكم، وأما ضيق المقام مع قصد الاختصار والاحتراز عن العبث كنحو قوله:
قالت وقد رأى اصفراري من به ... وتنهدت فأجبتها المتنهد
إذا حمل على تقدير المتنهد دون هو المتنهد، وستعرف في الحالة المقتضية لكونه اسما معرفا:أي التقديرين أولى وقوله:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف