تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بكرا فالنجاح في التبكير كان أحسن، فقال إنما قلتها يعني قصيدته أعرابية وحشية فقلت أن ذاك النجاح في التبكير كما يقول الأعراب البدويون ولو قلت بكرا فالنجاح في التبكير كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة التي قلتها فقام خلف وقبل، فهل فحوى ما جرى بين بشار وصاحبيه وهم من فحولة هذا النوع ومن المهرة المتقنين والسحرة المؤخذين الأراشحة بتحقيق ما أنت منه على ريبة وقل لي مثل بشار، وقد تعمد أن يهدر بشقشقة سكان مها في الريح من كل ما ضغ قيصوم وشيح إذا خاطب ببكرا محرضا صاحبيه على التشمير عن ساق الجد في شأن السفار أفتراه لا يتصورهما حائمين حول هل التبكير يثمر النجاح فيتجانف عن التوكيد ولا يتلقاهما بأن هيهات ونظيره:

فغنها وهي لك الفداء ... أن غناء الإبل الحداء

وفي التنزيل " ولا تخاطبني في الذين ظلموا أنهم مغرقون " وكذا " وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء " وكذا وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم " وكذا " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم " وأمثال ذلك كثيرة وإذا صادف ما أريناك بصيرة منك ووقفت على ما سيأتيك في الفن الرابع أعنرك في باب النقد لتركيبات الجمل الخبرية في نحو أعبد ربك إن العبادة حق له واعبد ربك فالعبادة حق له واعبد ربك العبادة حق له على تفاوتها هناك واجدا من نفسك فضل الأولى على الثانية بحسب المقام ورداءة الأخيرة تارة والحكم بالعكس أخرى وكنت الحاكم الفيصل بإذن الله تعالى وكذلك قد ينزلون منزلة المنكر من لا يكون إياه إذا رأوا عليه شيئا من ملابس الإنكار فيحوكون حبير الكلام لهما على منوال واحد كقولك لمن تصدى لمقاومة مكاوح أمامه غير متدبر مغترا بما كذبته النفس من سهولة تأنيها له أن أمامك مكاوحا لك ومن هذا الأسلوب قوله:

جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح

ويقلبون هذه القضية مع المنكر إذا كان معه ما إذا تأمله ارتدع عن الإنكار فيقولون لمنكر الإسلام الإسلام حق وقوله جل وعلا في حق القرآن لا ريب فيه وكم من شقي مرتاب فيه وارد على ذا وهذا النوع أعني نفث الكلام لا على مقتضى الظاهر متى وقع عند النظار موقعة اشتهش الأنفس وأنق الأسماع وهز القرائح ونشط الأذهان ولأمر ما تجد أرباب البلاغة وفرسان الطراد في ميدانها الرامية في حدق البيان يستكثرون من هذا الفن في محاوراتهم وأنه في علم البيان يسمى بالكناية وله أنواع تقف عليها وجه حسنها بالتفصيل هناك بإذن الله تعالى وأن هذا الفن فن لا تلين عريكته ولا تنقاد قرونته بمجرد استقراء صور منه وتتبع مظان أخوات لها وأتعاب النفس بتكرارها واستيداع الخاطر حفظها وتحصيلها بل لا بد من ممارسات لها كثيرة ومراجعات فيها طويلة مع فضل إلهي من سلامة فطرة واستقامة طبيعة وشدة ذكاء وصفاء قريحة وعقل وافر ومن أتقن الكلام في اعتبارات الاعتبارات وقف على اعتبارات النفي. واعلم أنك إذا حذفت في هذا الفن لصدق همتك واستفراغ جهدك فيه وبالحري أمكنك التسلق به على العثور على السبب في أنزل رب العزة قرآنه المجيد على هذه المناهج إن شاء الله تعالى.

الفن الثاني

مفتاح العلوم · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ٧٦