الفن الأول
من المعلوم أن حكم العقل حال إطلاق اللسان هو أن يفرغ المتكلم في قالب الإفادة ما ينطق به تحاشيا عن وصمة اللاغية فإذا اندفع في الكلام مخبرا لزم أن يكون قصده في حكمه بالمسند للمسند إليه في خبره ذاك إفادته للمخاطب متعاطيا مناطها بقدر الافتقار فإذا ألقى الجملة الخبرية على من هو خالي الذهن عما يلقى إليه ليحضر طرفاها عنده وينتقش في ذهنه استناد أحدهما على الآخر ثبوتا أو انتفاء كفى ذلك الانتقاش حكمه ويتمكن لمصادفته إياه خاليا:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي خياليا فتمكنا
فتستغني الجملة عن مؤكدات الحكم وسمي هذا النوع من الخبر ابتدائيا وإذا ألقاها على طالب لها متحير طرفاها عنده دون الاستناد فهو منه بين بين لينقذه عن ورطة الحيرة استحسن تقوية المنقذ بإدخال اللام في الجملة أو إن كنحو لزيد عارف أو إن عارف وسمي هذا النوع من الخبر طلبيا وإذا ألقاها على حاكم فيها بخلافه ليرده على حكم نفسه استوجب حكمه ليرجح تأكيدا بحسب ما أشرب المخالف الإنكار في اعتقاده كنحو إني صادق لمن ينكر صدقك إنكارا وإني لصادق لمن يبالغ في إنكار صدقك ووالله إني لصادق على هذا، وإن شئت فتأمل كلام رب العزة علت كلمته " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما انتم إلا بشر مثلنا وما انزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون " حيث قال أولا إنا إليكم مرسلون، وقال ثانيا إنا إليكم لمرسلون كيف يقرر ما ألقى إليك ويسمي هذا النوع من الخبر إنكاريا، وإخراج الكلام في هذه الأحوال على الوجوه المذكورة يسمى إخراج مقتضى الظاهر، وأنه في علم البيان يسمى بالتصريح كما ستقف عليه والذي أريناك إذا أعملت فيه البصيرة استوثقت من جواب أبي العباس للكندي حين سأله قائلا إني أجد في كلام العرب حشوا يقولون عبد الله قائم ثم يقولون إن عبد الله قائم ثم يقولون إن عبد الله لقائم والمعنى واحد وذلك إن قال بل المعاني مختلفة فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وقولهم إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر قيامه، هذا ثم إنك ترى المغلقين السحرة في هذا الفن ينفثون الكلام لا على مقتضى الظاهر كثيرا وذلك إذا أحلوا المحيط بفائدة الجملة الخبرية وبلازم فائدتها علما محل الخالي الذهن عن ذلك لاعتبارات خطابية مرجعها تجهيله بوجوه مختلفة، وإن شئت فعليك بكلام رب العزة " ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " كيف تجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسمي وآخره ينفيه عنهم حيث لم يعلموا بعلمهم ونظيره في النفي والإثبات " وما رميت إذ رميت " وقوله " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم " فيسوقون الكلام على هذا مساقه على ذلك، وهكذا قد يقيمون من لا يكون سائلا مقام من يسأل فلا يميزون في صياغة التركيب للكلام بينهما وإنما يصبون لهما في قالب واحد إذا كانوا قدموا إليه ما يلوح مثله للنفس اليقظى بحكم ذلك الخبر فيتركها مستشرفة له استشراف الطالب المتحير يتميل بين إقدام للتلويح وإحجام لعدم التصريح فيخرجون الجملة إليه مصدرة بان ويرون سلوك هذا الأسلوب في أمثال هذه المقامات من كمال البلاغة وإصابة المحز أو ما ترى بشارا كيف سلكه في رائيته:
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير
حين استهواه التشبه بأئمة صناعة البلاغة المهتدين بفطرتهم على تطبيق مفاصلها وهم الأعراب الخلص من كل حارش يربوع وضب تلقاه في بلاغته يضع الهناء مواضع النقب دون المولدين الذين قصارى أمرهم في مضمار البلاغة أو أن الاستباق إذا استفرغوا مجهودهم الاقتداء بأولئك ومن الشواهد لما نحن فيه شهادة غير مردودة رواية الأصمعي تقبيل خلف الأحمر بين عيني بشار بمحضر أبي عمرو بن العلاء حين استنشداه قصيدته هذه على ما روى من أن خلفا قال لبشار بعد ما أنشد القصيدة لو قلت يا أبا معاذ مكان إن ذاك النجاح