الكلام في ذلك على الوجه المستقصى مذكور في كتابنا شرح الجمل للإمام عبد القاهر رحمة الله عليه، ولكنا نورد من ذلك ههنا ما هو شرط الموضع. اعلم أن التثنية والجمع إذا أريد وضع طريقة لهما اعتبار تغيير وأن يكون ذلك في الاسم وأن يكون في آخره وأن يكون بالزيادة ولأخذ الإعراب التبديل وأن تكون واحدة بناء لجميع ذلك على المقدمة الأولى وأن تكون من حروف المد لكونها خفيفة لذواتها قريبة الوقوع لكثرة دورها إما بأنفسها أو بأبعاضها وقد مرنت لذلك بها الألسن واستأنست المسامع وألفتها الطباع ومالت إليها النفوس وأن يكون فيها دليل الإعراب محافظة عليه وحسن نظر له لامتناع المدات عن التحريك وجمعا بين الغرضين لكن استلزام المحافظة عليه في أحواله الثلاث حالتي التثنية والجمع بالمدات الثلاث الاشتراك في كل واحدة منهن المخالف للقياس أوجب إلغاءها في بعض الأحوال تقليلا للاشتراك في الحروف وحين آل الأمر على جعل بعض الحروف مشتركا دون بعض تعينت الياء التي من شأنها استواء النسبة إلى النسبة إلى الخفة والثقل وإلى مخرجى أختيها للاشتراك الذي من شأنه استواء النسبة إلى المعنيين وانقسمت أختاها على التثنية والجمع لجهتي التقدم والتأخر ثم لما قدم الرفع في الاعتبار كونه حصة الفاعل المتقدم فيه كما سبق تعينت له ثم تعينت الياء لأخويه فيهما وأصلا للجر منهما لما بينهما وبينه من النسب ما ليس بينها وبين النصب فحصل إعراب المثنى والمجموع على ما ترى، وأما النون فالأقرب فيه أنه لما اعتبر الإعراب الذي هو للاسم بحكم الأصالة في التثنية والجمع على حدها للجهة المذكورة واستهجن إلغاؤه فيهما لمناسبات تآخذت في ذلك امتنع بحكم رعاية ذلك بناء المثنى والمجموع جمع السلامة، ولذلك اختلف في نحو ذان واللذان واللذون والذين بين أن يحكم فيها بالتثنية والجمع وبين أن لا يحكم فتنظم في سلك أبانان وعمايتان وعشرون وثلاثون وما شاكل ذلك ولم يكن الاسم يدخل بالتثنية والجمع على حدهما في باب ما لا ينصرف لم يصادفوا في ترك التنوين عذرا يعتبر فأنى به وحرك محافظة على الساكن قبله إذ كان دأبهم تحريكه لنوع من العذر كنحو غلام اكتهل وكسر بعد الألف على أصل تحريك الساكن وفتح بعد أختيها تفاديا من الجمع بينهما وبين الكسر لأصول مقررة، وحيث استمرت الحركة عليه صار بمنزلة غير التنوين فلم يحذف في الوقف ولا مع نفي الجنس ولا مع الألف واللام ولا مع النداء على الضم، وإنما بنيت الكلام على الحذف لامتناع تأخير التثنية والجمع في ذلك كله لاستلزامه تحصيل الممتنع أما في الوقف فلاستلزامه الوصل في الوقف وأما في نفي الجنس فلاستلزامه طلب الزيادة حيث لا مزيد. وأما في المعرف وهو الداخل عليه اللام أو المضموم في النداء فلاستلزامه تحصيل التثنية والجمع لامع الصحة، ألا ترى أن التثنية والجمع طريقان ليتناول الاسم بهما أكثر مما هو متناوله فيستلزم تحصيلهما بحكم الضرورة صحة تناول المزيد المنافية للاختصاص بما سوى المزيد الممتنع انتفاؤه مع اللام والضم فمتى أريدت التثنية والجمع والحال هذه لزم ما ذكرنا ومدار حكم أصحابنا رحمهم الله في تنكر العلم إذا ثني أو جمع على ما ذكرت فاستوضح.
الفصل الخامس
في علة إعراب كلا وكلتا
مضافين على الضمير على ما هو عليه
اختلفت الفرقتان في ذلك وتشعبت آراء أصحابنا رحمهم الله وأنا أذكر بإذن الله تعالى ما هو بالقبول أجدر بعد التنبيه على ما لا بد في ذلك منه وهو أن كل واحد من كلا وكلتا عندنا مثنى معنى مفرد لفظا فالألف فيهما غير ألف التثنية خلافا للكوفيين رحمهم الله بدليل عود الضمير إليهما تارة مثنى حملا على المعنى كقوله: كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا، وكما حكى عن بعض العرب من قوله كلاهما قائمان وكلتاهما لقيتهما وأخرى كثيرا مفردا حملا على اللفظ كقوله: كلا أخوينا ذو رحال كأنهم وقول الآخر:
أكاشمره واعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص