ونحن نسوق الكلام فيه على أن المقصود من منع الصرف إنما هو منع التنوين لا لمعارضة حرف التعريف والإضافة وأن منع الجر إنما هو لمنع التنوين على الوجه المذكور لارتضاعهما ضرعا واحدا وهو الاختصاص بالاسم والتناوب في نحو راقود خلا بالتنوين لامع جر الخل وراقود دخل لا بالتنوين مع جر الحل وأن تحريكه حال منع الجر للهرب عما هو أصل البناء وبالفتح لخفته المطلوبة على الخصوص هنا لا لاعتبار التآخي بينه وبين الجر وإذ قد وقفت على هذا فنقول العلة في منع الاسم عن الصرف هو تحقيق الشبه بينه وبين الفعل على وجه يستلزم الخفة وذاك أن كل فعل مما لا يتمحل في فعليته من نحو ضرب ومنع لتضمن مفهومه لا محالة شيئين الزمان والمصدر متقيدا أحدهما بالآخر كما لا يخفى فهو متصف بكونه ثانيا للغير وهو الاسم باعتبارين وكل واحد من أسباب منع الصرف ثان لغير فالتأنيث ثان للتذكير، يدلك على ذلك أنك متى ظفرت بمؤنث في كلامهم وجدته في الأمر العام مع زيادة واستقراؤك الأسماء لا سيما قبيل الصفات منها ينبئك عليه بحلافه في المذكر هذا في اللغة الشائعة فأما على لغة من يقول إنسانة ورجلة وغلامة وحمارة وأسدة فيفضل الاستقراء، ومعلوم عندك أن الزيادة إذا وجدت في شيء يطرأ عليه أمران دلالة على أحدهما كان وجودها عند المتصف بتأخر أدخل في القياس منه عند غير المتصف بذلك من حيث أن الزيادة معلوم علما قطعيا اتصافها بالتأخر عن المزيد عليه فمتى كانت مجلوبة لما له حظ في الإنصاف بالتأخر كان أقيس فوجودك الزيادة مع التأنيث دون التذكير في لغتهم المبنية على رعاية هذه المناسبات كما لا يخفى شاهد على تأخره عنه، وهذا معنى قول أصحابنا رحمهم الله تعالى لا يجوز أن ينقل الاسم بالزيادة من التأنيث على التذكير وفي كلامنا هذا ما يدلك على حكمهم أن سكران وسكرى صيغتان ليست إحداهما من الأخرى ونحو ثلاثة رجال وثلاث نسوة عن النقص إذا تأملت بمعزل وذلك أن رجالا قدمت في الاعتبار على النسوة نظرا على الأفراد وقد كان أنثها التكسير فأنث العدد ثم لما انتهى الأمر على اعتبار النسوة واستهجن إلغاء الفرق ومنع عن زيادة التاء الأخرى امتناع اجتماع علامتي التأنيث لزم حذف التاء وأمر آخر وهو لفظ الشيء يقع على كل مذكر ومؤنث ثم إنه لا يستعمل إلا مذكرا فلولا أن التذكير أصل لوقع التغليب للفرع ولخرج عن القياس والعجمة ثانية للغتهم العربية لطروئها عليها الطارئ على الشيء بعد المطروء عليه في بابه والعدل ثان للمعدول عنه وأمره ظاهر والجمع ثان للجنس من حيث أن الجمعية قيد للجنس ووجود الشيء من حيث هو مطلقا قبل وجوده من حيث هو مقيدا في باب الاعتبار والفعل الذي هو ثان للاسم لا بد من أن يكون وزنه المختص به ثانيا لوزن الاسم. وأما الألف والنون الزائدتان وألف الإلحاق فالأمر فيهما أبين والوصف والتركيب والعلمية أمرها على نحو أمر الجمع فمتى اجتمع في الاسم منها ما لا يقصر به عن أن يصير ثانيا باعتبارين وذلك بحصول اثنين منها أو الجمع أو ألف التأنيث وستعرف السر أشبه الفعل فيمنع منه التنوين لما ذكرنا، ولهذا ينتظر في منعه الخفيف من الأسماء خاصة كالثلاثي الساكن الحشو تقوي الشبه بازدياده مما يكسوه ذلك في اللغة الفصحى، وإذا علمت أن العلة في منع الصرف هي ما ذكرنا تنبهت للمعنى في جواز صرفه للشاعر المضطر وتنبهت أيضا للمعنى الذي لأجله شرطت منها اللائي عددنا بما شرطت وهو اكتسابها به قوة حال أو زيادة ظهور أو تحققا، ألا يرى أن المؤنث بالتاء إذا لم يكن كان للتاء من احتمال الانفصال ما لا يكون لها بعد العلمية وكم بين الشيء لازما وغير لازم، ومن هذا تتبين أن ألف التأنيث أقوى حالا من التاء لأنها لا تنفصل عن الكلمة بحال وهو السبب عند أصحابنا رحمهم الله في أن أقيمت مقام اثنين، وأما نحو آخر عناق وعقرب فإنما سلك به مسلك التاء تفاديا مما في غير ذلك من ارتكاب خلاف قياس وهو جعل الفرع أقوى من الأصل لأنه فرع على التاء وإذا كانوا لا يسوغون التسوية بينه وبين التاء في نحو بصرى وعناق كانوا أن لا يسوغوا تفضيله عليها في الجملة أجدر، وأما المؤنث بالمعنى نحو سعاد فلأنه إذا تعرى عن العلمية جرى مجرى مسماه وقد عرفت الحال ثم وأن الاسم الأعجمي إذا اقترنت به العلمية منقولا ومنقولا عنه كانت عجمته أدخل في التحصن منها إذا
مفتاح العلوم · الصفحة ٦٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ٦٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي