وعندي أن الحكم في أنواعها ومخارجها على ما يجده كل أحد مستقيم الطبع سليم الذوق إذا راجع نفسه واعتبرها كما ينبغي وإن كان بخلاف الغير لإمكان التفاوت في الآلات وإذ قد تنبهت لما ذكرنا فلنرجع على الباب الأول، والكلام فيه يستدعي تمهيد أصل، وهو أن اعتبار الأوضاع في الجملة مضبوطة أدخل في المناسبة من اعتبارها منتشرة وأعني بالانتشار ورودها مستأنفة في جميع ما يحتاج إليه في جانب اللفظ من الحروف والنظم والهيئة، وكذا في جانب المعنى من عدة اعتبارات تلزمه وبالضبط خلاف ذلك. وتقريره أن إيقاع القريب الحصول أسهل من البعيدة وفي اعتبارها مضبوطة تكون أقرب حصولا لاحتياجها إذ ذاك على أقل مما تحتاج إليه على خلاف ذلك، ويظهر من هذا أن اعتبار الأوضاع الجزئية أعني بها المتناولة للمعاني الجزئية يلزم عند إمكان ضبطها أن تكون مسبوقة بأوضاع كلية لها، وقد خرج بقولي عند إمكان ضبطها ما كان في الظاهر جنسه نوعه كالحروف والأسماء المشاكلة لها من نحو إذا وأني ومتى عن أن يكون لوضعه الجزئي وضع كلي هذا على المذهب الظاهر من جمهور أصحابنا وإلا فخروج ذلك عندي ليس بحتم وإذا تمهد هذا فنقول الطريق على ذلك هو أن تبتدئ فيما يحتمل التنويع من حيث انتهى الواضع في تنويعه وهي الأوضاع الجزئية فترجع منها القهقرى في التجنيس، وهو التعميم على حيث ابتدأ منه وهو وضعه الكلي لتلك الجزئية كنحو أن تبتدئ من مثل لفظ المتباين وهو موضع التباين فترده على معنى أعم في لفظ التباين وهو المباينة من الجانبين ثم ترد التباين على أعم وهو المباينة من جانب في لفظ باين ثم ترده على أعم وهو حصول البينونة في لفظ بان ثم ترده على أعم وهو مجرد البين، وهذا هو الذي يعنيه أصحابنا في هذا النوع بالاشتقاق ثم إذا اقتصرت في التجنيس على ما تحتمله حروف كل طائفة بنظم مخصوص كمطلق معنى البينونة فيما ضربنا من المثال للباء ثم الياء ثم النون وهو المتعارف سمي الاشتقاق الصغير وإن تجاوزت على ما احتملته من معنى أعم من ذلك كيفما انتظمت مثل الصور الست للحروف الثلاثة المختلفة من حيث النظم والأربع والعشرين للأربعة والمائة والعشرين للخمسة سمي الاشتقاق الكبير. وههنا نوع ثالث من الاشتقاق كان يسميه شيخنا الحاتمي رحمه الله الاشتقاق الأكبر، وهو أن يتجاوز على ما احتملته أخوات تلك الطائفة من الحروف نوعا أو مخرجا وقد عرفت الأنواع والمخارج على ما نبهناك وأنه نوع لم أر أحدا من سحرة هذا الفن وقليل ما هم حام حوله على وجهه إلا هو وما كان ذلك منه تغمده الله برضوانه وكساه حلل غفرانه إلا لكونه الأول والآخر في علماء الفنون الأدبية على علوم أخر " ولا ينبئك مثل خبير " . وسلوك هذا الطريق على وجهين أصل فيما يطلب منه وملحق به.أما الأصل فهو إذا ظفرت بأمثلة ترجع معانيها الجزئية على معنى كلي لها أن تطلب فيها من الحروف قدرا تشترك هي فيه وهو يصلح للوضع الكلي على أن لا تمتنع عن تقدير زيادة أو حذف أو تبديل إن توقف مطلوبك على ذلك وعن تقدير القلب أيضا في الاشتقاق الصغير معينا كلا من ذلك بوجه يشهد له سوى وجه الضبط فهو بمجرده لا يصلح لذلك وتلك الحروف تسمى أصولا والمثال الذي لا يتضمن إلا إياها مجردا وما سوى تلك الحروف زوائد والمتضمن لشيء منها م وإذا أريد أن يعبر عن الأصول عبر عن أولها في ابتداء الوضع بالفاء وعن ثانيها بالعين وعن ثالثها باللام ثم إذا كان هناك رابع وخامس كرر لهما اللام فقيل اللام الثاني واللام الثالث وإذا أريد أن يعبر عن الزوائد عبر عنها بأنفسها إلا في المكرر والمبدل من تاء الافتعال وستعرفه هذا عند الجمهور وهو المتعارف،وإذا أريد تأدية هيئة الكلمة أديت بهذه الحروف ويسمى المنتظم منها إذ ذاك وزن الكلمة والكلام في تقرير هذا الأصل يستدعى تحرير خمسة قوانين. أحدها في أن القدر الصالح للوضع الكلي ماذا والباقية في أن الشاهد لتعيين كل من الأربعة الزيادة والحذف والبدل والقلب ماذا. أما القانون الأول فالذي عليه أصحابنا هو الثلاثة فصاعدا على خمسة خلافا للكوفيين. أما الثلاثة فلكون البناء عليها أعدل الأبنية لا خفيفا خفيفا ولا ثقيلا ثقيلا، ولانقسامه على المراتب الثلاث وهي المبدأ والمنتهى والوسط بالسوية لكل واحد واحد لا تفاوت مع كونه صالحا لتكثير الصور المحتاج إليه في باب التنويع
مفتاح العلوم · الصفحة ٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي