اعلم أن الصرف هو تتبع اعتبارات الواضع في وضعه من جهة المناسبات والأقيسة ونعني بالاعتبارات وافرضها على أن تتحقق أنه أولا جنس المعاني ثم قصد لجنس جنس منها معينا بإزاء كل من ذلك طائفة طائفة من الحروف ثم قصد لتنويع الأجناس شيئا ف شيئا متصرفا في تلك الطوائف بالتقديم والتأخير والزيادة فيها بعد أو النقصان منها مما هو كاللازم للتنويع وتكثير الأمثلة ومن التبديل لبعض تلك الحروف لغيره لعارض وهكذا عند تركيب تلك الحروف من قصد هيئة ابتداء ثم تغيرها شيئا ف شيئا ولعلك تستبعد هذه الاعتبارات إذ ليس طريق معرفتها عندك لكن لا يخفى عليك أن وضع اللغة ليس إلا تحصيل أشياء منتشرة تحت الضبط فإذا أمعنت فيه النظر وجدت شأن الواضع أقرب شيء من شأن المستوفي الحاذق وانك لتعلم ما يصنع في باب الضبط فيزل عنك الاستبعا د ثم انك ستقف على جلية الأمر فيه مما يتلى عليك عن قريب.
الفصل الثاني: في كيفية الوصول على النوعين، وهما معرفة الاعتبارات الراجعة على الحروف ومعرفة الاعتبارات الراجعة على الهيئات وفيه بابان. الأول في معرفة الطريق على النوع الأول وكيفية سلوكه.الثاني في معرفة الطريق على النوع الثاني وكيفية سلوكه أيضا ومساق الحديث فيهما لا يتم إلا بعد التنبيه على أنواع الحروف التسعة والعشرين ومخارجها.اعلم أنها عند المتقدمين تتنوع على مجهورة ومهموسة وهي عندي كذلك لكن على ما أذكره وهو أن الجهر انحصار النفس في مخرج الحرف والهمس جرى ذلك فيه والمهجورة عندي الهمزة والألف والقاف والكاف والجيم والياء والراء والنون والطاء والدال والتاء والباء والميم والواو يجمعها قولك قدك أترجم ونطايب والمهموسة ما عداها ثم إذا لم يتم الانحصار ولا الجري كما في حروف قولك لم يروعنا سميت معتدلة وما بين الشديدة والرخوة وإذا تم الانحصار كما في حروف قولك أجدك قطبت سميت شديدة وإذا تم الجري كما في الباقية من ذلك سميت رخوة ثم إذا تبع الاعتدال ضعف تحمل الحركة أو الامتناع عنه كما في الواو والياء والألف سميت معتلة وإذا تبع تمام الانحصار حفز وضغط كما في حروف قولك قد طبخ سميت حروف القلقلة وتتنوع أيضا على مستعلية وهي الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والخاء والقاف وعلى منخفضة وهي ما عداها والاستعلاء أن تتصعد لسانك في الحنك الأعلى والانخفاض بخلاف ذلك فإن جعلت لسانك مطبقا للحنك الأعلى كما في الصاد والضاد والطاء والظاء سميت مطبقة وإلا كما في سواها سميت منفتحة ومخارجها عند الأكثر ستة عشر على هذا النهج: أقصى الحلق للهمزة والألف والهاء ووسطه للعين والحاء وأدناه على اللسان للغين والخاء وأقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج القاف ومن أسفل من موضع القاف من اللسان قليلا ومما يليه من الحنك الأعلى مخرج الكاف ومن وسطه اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء ومن بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد ومن حافة اللسان من أدناها على منتهى طرف اللسان من بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى فما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية مخرج اللام ومن طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا العليا مخرج النون ومن مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا لانحرافه على اللام مخرج الراء ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا مخرج الطاء والدال والتاء ومما بين الثنايا وطرف اللسان مخرج الصاد والزاي والسين ومما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا مخرج الظاء والذال والثاء ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا مخرج الفاء ومما بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو ومن الخياشيم مخرج النون الخفيفة ويتصور ما ذكرناه من الشكل الآتي