أليس لو لم يكن في إعادة القصة فائدة سوى تبكيت الخصم لو قال عند التحدي لعجزه قد سبق إلي صوغها الممكن فلا مجال للكلام فيها ثانيا لكفت، وأما نحو " فبأي آلاء ربكما تكذبان " وويل يومئذ للمكذبين " فمذهوب به مذهب رديف يعاد في القصيدة مع كل بيت أو مذهب ترجيع القصيدة يعاد بعينه مع عدة أبيات أو ترجيع الأذكار وعائب الرديف أو الترجيع. إما دخيل في صناعة تفنين الكلام ما وقف بعد على لطائف أفانينه، وإما متعنت ذو مكابرة، ومنها أنهم يقولون: إن قرآنكم ينادي بأن ليس من عند الله وأنتم تدعون أنه من عند الله ونداه بأن ليس من عند الله من وجوه، منها أن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وفيه من الاختلافات ما يربى على اثني عشر ألفا كما تسمع أصحاب القراآت ينقلونها إليك وهل عدد مثله لا يكثر ومبنى هذا الطعن جهلهم بالمراد من الاختلاف وذلك أن المراد به هو التفاوت في مراتب البلاغة التي سبق ذكرها في علم البيان عند تحديد البلاغة فإنك إذا استقريت ما ينسب على كل واحد من البلغاء أشعارا كانت أو خطبا أو رسائل لم تكد تجد قصيدة من المطلع على المقطع أو خطبة أو رسالة على درجة واحدة في علو الشأن فضلا أن تجد مجموع المنسوب على تلك الدرجة بل لا بد يختلف، فمن بعض فوق سماك السماء علوا، ومن بعض تحت سمك الأرض نزولا فيها ما ذلك على من به طرف بخاف وقل لي والحال ما قرئ من الروايات عن النبي عليه السلام صلوات الله وسلامه عليه " إن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف، فاقرءوا كيف شئتم " هل من عاقل يذهب وهمه على نفي اختلاف القراآت لا سيما إذا انضم على ذلك ما يروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال " سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وقد كان النبي عليه السلام أقرأنيها فأتيت به النبي عليه السلام فأخبرت فقال له اقرأ فقرأ تلك القراءة، فقال النبي عليه السلام: هكذا نزلت، ثم قال لي اقرأ فقرأت فقال هكذا نزلت، ثم قال لي إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف " وأثوب محمل يحمل عليه قوله عليه السلام " على سبعة أحرف " ما حام حوله الإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة الهمذاني قدس الله روحه من أن المراد بسبعة الأحرف سبعة أنحاء من الاعتبار متفرقة في القرآن وحق تلك الأنحاء عندي أن ترد على اللفظ والمعنى دون صورة الكتابة لما أن النبي عليه السلام كان أميا ما عرف الكتابة ولا صور الكلم فيتأتى منه اعتبار صورتها راجعا على إثبات كلمة وإسقاطها وأنه نوعان: أحدهما أن لا يتفاوت المعنى مثل وما عملت أيديهم في موضع وما عملته لاستدعاء الموصول الراجع. وثانيهما أن يتفاوت مثل قراءة بعض أن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي، وإما أن يكون راجعا على تغيير نفس الكلمة وأنه ثلاثة أنواع: أحدها أن يتغير الكلمتان، والمعنى واحد مثل ويأمرون الناس بالبخل وبالبخل برأس أخيه وبرأس وفنطرة على ميسرة وميسرة ومثل إن كانت الأزقية واحدة في موضع الأصيحة. وثانيها أن تتغير الكلمتان ويتضاد المعنى مثل إن الساعة آتية أكاد أخفيها بضم الهمزة بمعنى أكتمها وأخفيها بفتح الهمزة بمعنى أظهرها. وثالثها أن تتغير الكلمتان ويختلف المعنى مثل كالصوف المنفوش في موضع كالعهن المنفوش وطلع منضود في موضع طلح، وأما أن يكون راجعا على أمر عارض للفظ وأنه نوعان أحدهما الموضع مثل وجاءت سكرة الحق بالموت في موضع سكرة الموت بالحق. وثانيهما الإعراب مثل إن ترن أنا أقل وأنا أقل وهن أطهر لكم وأطهر لكم. ومنها أن قرآنكم يكذب بعضه بعضا لاشتماله على كثير من التناقض فإن صدق لزم كذبه وإن كذب لزم كذبه والكذب على الله محال قائلين بين قوله " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان " وقوله " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " وبين قوله " فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون " وقوله " فلنسئن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين تناقض ولو عرفوا شروط التناقض على ما سبقت تلاوتها عليك لما قالوا ذلك أليس من شروط التناقض اتحاد الزمان واتحاد المكان واتحاد الغرض وغير ذلك مما عرفت، ومن لهم باتحاد ذلك فيما أوردوا بعد أن عرف أن مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنة على ما أخبر تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وعرف بالأخبار أن يوم القيامة مشتمل على مقامات مختلفة فإذا احتمل أن يكون السؤال في
مفتاح العلوم · الصفحة ٢٤٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ٢٤٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي