تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن لا يعد البيت الأول شعرا لكونه غير كلام بأصول النحو مع كونه شعرا من غير شبهة ولا الثاني وحده. ثم اختلف فيه فعند جماعة أن لابد فيه من أن يكون وزنه لتعمد صاحبه إياه، والمراد بتعمد الوزن هو أن يقصد الوزن ابتداء ثم يتكلم مراعيا جانبه لا أن يقصد المتكلم المعنى وتأديته بكلمات لائقة من حيث الفصاحة في تركيب لتلك الكلمات توجيه البلاغة، فيستتبع ذلك كون الكلام موزونا، أو أن يقصد المعنى ويتكلم بحكم العادة على مجرى كلام الأوساط فيتفق أن يأتي موزونا، وعند آخرين أن ذاك ليس بواجب لكن يلزمه أن يعد كل لافظ في الدنيا شاعرا إذ ما من لافظ إن تتبعت إلا وجدت في ألفاظه ما يكون على الوزن، أو ما ترى إذا قيل لباذنجاني بكم تبع ألف باذنجانة فقال أبيعها بعشرة عدليات كيف تجد القولين على الوزن،أو إذا قيل لنجار هل تم ذاك الكرسي فقال نعم فرغت منه يوم الجمعة كيف تجد الأول في الأوزان والثاني أيضا، وعلى هذا إذا قيل لجماعة من جاءكم يوم الأحد فقالوا زيد بن عمرو بن أسد، وتسمية كل لافظ شاعرا مما لا يرتكبه عاقل عنده إنصاف، فالصحيح هو الرأي الأول. لا يقال فيلزم أن يجوز فيمن قال قصيدة أو قطعة أن لا يسمى شاعرا بناء على تجويز أن لا يكون تعمد ذلك وامتناعه ظاهر فالجواب هو أن العقل يصحح الاتفاق في القليل دون الكثير وإلا فسد عليك الإسلام في مواضع فلا تمار، والمروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال " من قال ثلاثة أبيات فهو شاعر " شاهد صدق لما ذكرنا لإفادته أنه يمتنع تجويز عدم التعمد بالأبيات الثلاثة فلابد من كونها شعرا ومن كون قائلها شاعرا من تعمد دون قائل الأقل، فاشعر إذن هو القول الموزون وزنا عن تعمد، وأرى أن شيخنا الحاتمي، ذلك الإمام في أنواع من الغرر الذي لم يسمع بمثله في الأولين ولن يسمع به في الآخرين، كساه الله حلل الرضوان، وأسكنه حلل الروح والريحان، كان يرى هذا الرأي، والرأي الأول حقه إذا سمي شعرا أن يسمى مجازا لمشابهته الشعر في الوزن، ومذهب الإمام أبي إسحاق الزجاج في الشعر هو أن لابد من أن يكون الوزن من الأوزان التي عليها أشعار العرب وإلا فلا يكون شعرا ولا أدري أحدا تبعه في مذهبه هذا.

الفصل الثاني

في تتبع الأوزان

اعلم أن النوع الباحث عن هذا القبيل يسمى علم العروض، وما أهم السلف فيه إلا تتبع الأوزان التي عليها أشعار العرب، فلا يظنن أحد الفضول عندهم في الباب من ضم زيادة على ما حصروه ليست في كلام العرب فضلا على الإمام الخليل بن أحمد، ذلك البحر الزاخر مخترع هذا النوع، وعلى أئمة المغترفين منه من العلماء المتقدمين به في ذلك رضوان الله عليهم أجمعين، وإلا فمن أنبأ لهم لم يكونوا يرون الزيادة على التي حصروها من حيث الوزن مستقيمة والزيادة عليها تنادى بأرفع صوت:

لقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل

لا للطبع المستقيم أن يزيد عليها شيئا، ولا حاكم في هذه الصناعة إلا استقامة الطبع وتفاوت الطباع في شأنها معلوم، وهي المعلم الأول المستغنى عن التعلم، فاعرف وإياك إن نقل إليك وزن منسوب على العرب لا تراه في الحصر أن تعد فواته قصورا في المخترع فلعله تعمد إهماله لجهة من الجهات أو أي نقيصه في أن يفوته شيء هو في زاوية من زوايا النقل لا زوايا العقل، على أنه إن عد قصورا كان العيب فيه لمقدمي عهده حيث لم يهيئوا لأمام مثله ما يتم له المطلوب من مجرد نقل الرواة ومجرد الاستظهار بذلك، اللهم صبرا.

فصل

مفتاح العلوم · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ٢٢٣