يدعوني بذلك على تتمة الغرض من علمي المعاني والبيان في تحصيل ما قد اعترض مطلوبا كما ترى فها نحن لدعوته مجيبين بإملاء ما يستمليه المقام في فنين يذكر في أحدهما ما يتعلق بالنظم توخيا لتكميل علم الأدب وهو اتباع علم المنثور علم المنظوم وتفصيلا لشبه يتمسك بها من جهته ثم يذكر في الثاني دفع المطاعن فاعلين ذلك تحقيقا لظن نظنه أنك منا طامع في أن نسوق إليك الكلام على هذا الوجه، وإن أحببت سبب الظن فاضح أليس متى جاء دافع وهي مفصلة عندك كان أجلب لثلج الصدر منك إذا جاء وهي مجملة، وهل إذا فضل المتكلم العالم بمداخل الفلسفة ومخارجها على المتكلم الجاهل بذلك فضل عليه بغير هذا لا أسئ بك الظن، فأعدك عن تحقق ذلك على ريبة فقل لي وقد ألفت أن أكون المتطلب لك من المقامين أفضلهما، وشبه الجهلة فيما نحن بصدده مختلفة، فمن عائدة على علم الصرف، ومن عائدة على علم النحو، ومن عائدة على علم المعاني والبيان ومرجع ذلك كله على علم المنثور، وقد ضمن إطلاعك كتابنا هذا على تفاصيل الكلام هناك، ومن عائدة على علم المنظوم وهو علم الشعر، ونحن على الآن ما قضضنا عن التعرض له الخيام، أفلا يورثنا ذا أن نظنك تنزع على المألوف وأنك بتلك الطماعية موصوف، وهذا أوان أن نسوق إليك الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم
الفن الأول من تتمة الغرض من علم المعاني
وهو الكلام في الشعر وفيه ثلاثة فصول: أحدها في بيان المراد من الشعر، والثاني فيما يخصه لكونه شعرا وهو الكلام في الوزن، وثالثها فيما يتبع ذلك على أقرب القولين فيه كما نطلعك على ذلك وهو الكلام في القافية.
الفصل الأول
في بيان المراد من الشعر
قيل الشعر عبارة عن كلام موزون مقفى وألغى بعضهم لفظ المقفى وقال: إن التقفية وهي القصد على القافية ورعايتها ذلك تلزم الشعر لكونه شعرا، بل لأمر عارض ككونه مصرعا أو قطعة أو قصيدة أو لاقتراح مقترح وإلا فليس للتقفية معنى غير انتهاء الموزون، وأنه أمر لابد منه جار من الموزون مجرى كونه مسموعا ومؤلفا وغير ذلك فحقه ترك التعرض ولق صدق. ومن اعتبر المقفى قال: الموزون قد يقع وصفا للكلام إذا سلم عن عيبي قصور وتطويل فلابد من ذكر التقفية تفرقة، لكن وصف الكلام بالوزن للغرض المذكور لا يطلق، وأقام بعضهم مقام الكلام اللفظ الدال على المعنى ولابد على المعنى ولابد لمن يتكلم بأصول النحو من ذلك مع زيادة، وهي أن تكون الدلالة بوساطة الوضع على ما يذكر في حد الكلمة وإلا لزم إذا قلت مثلا:
ألا أن رأى الأشعري أبي الحسن ... ومتبعيه في القبيح وفي الحسن
وإن كان منسوبا على الجهل عن قلى ... لرأي حقيق بالتأمل فاعلمن