الحكمان النقيضان هما اللذان لا يصح اجتماعهما معا ولا ارتفاعهما معا بخلاف المتضادين، فالمتضادان لا يصح اجتماعهما ولكن يصح ارتفاعهما، ولذلك ترى الأصحاب يحدون التناقض بين الجملتين بأنه اختلافهما بالنفي والإثبات اختلافا يلزم منه لذاته كون إحداهما صادقا والأخرى كاذبة مثل هذا حيوان،هذا ليس بحيوان، وقولهم لذاته احتراز عن مثل هذا إنسان هذا ليس بناطق لكونه غير مسمى فيما بينهم بالتناقض لعذرهم وعسى أن يعثر عليه، ونذكر للتناقض شروطا، وهي عندي أكثر مما تذكر وإلا فأقل، ومساق كلامي هذا يطلعك عل معنى ذلك. أحدها أن لا تختلف الجملتان في المبتدأ حقيقة اختلافهما في نحو العين تبصر: أي الجارحة المخصوصة العين لا تبصر: أي عين الماء. وثانيها أن لا تختلفا فيه جزاءا أو جملة اختلافهما في نحو عين زيد سوداء: أي حدقتها، عين زيد ليست بسوداء: أي جملتها. وثالثها أن لا تختلفا فيه شرطا اختلافهما في نحو الأسود جامع للبصر: أي ما دام أسود، الأسود ليس بجامع للبصر: إن زال كونه أسود لأن قولنا الأسود جامع للبصر: معناه الشيء الذي له السواد: ورابعها أن لا تختلفا فيه أيضا اختلافهما في نحو الأب حاضر: أي أبو زيد، الأب ليس بحاضر. أي أبو عمرو. وخامسها أن لا تختلفا فيه هوية اختلافهما في نحو بعض الناس كاتب: أي هذا، بعض الناس ليس بكاتب: أي ذاك، وينوب عندي عن هذه الخمسة حرف واحد، وهو اتحاد المبتدأ وأنه أحوط إذا تأملت. وسادسها أن لا تختلفا في الخبر معنى اختلافهما في نحو زيد مختار إذا أردت اسم الفاعل زيد ليس بمختار إذا أردت اسم المفعول. وسابعها أن لا تختلفا فيه قوة وفعلا اختلافهما في نحو الخمر في الدن مسكر: أي بالقوة: الخمر فيه ليس بمسكر: أي بالفعل. وثامنها أن لا تختلفا فيه إضافة اختلافهما في نحو العشرة نصف: أي نصف العشرين، العشرة ليست بنصف: أي نصف الثلاثين. وتاسعها أن لا تختلفا فيه نسبة على المكان اختلافهما في نحو زيد كاتب: أي في المسجد زيد ليس بكاتب: أي في السوق. وعاشرها أن لا تختلفا فيه نسبة على الزمان اختلافهما في نحو زيد كتب: أي أمس، زيد ما كتب: أي غدا. ومن اتحاد المبتدأ واتحاد الخبر يطلع على معنى قولي أقل مما يذكر ولما ترى من توقف التناقض من أمس، وينوب عن هذه الخمسة أيضا ما هو أجمع للغرض وهو اتحاد الخبر وما ذكرت على اتحاد المحكوم له، وهو المثبت له أو المنفي عنه، وعلى اتحاد المحكوم به، وهو المتثبت أو المنفي ليتحد مورد الحكم في الإثبات والنفي حتى يتعين فيه أحدهما لعدم الواسطة بين الثبوت والانتفاء لا يخفى عليك حال أصناف الجمل التي سبق ذكرها، وهي صنف المهملات، وصنف المعنيات، وصنف الكليات، وصنف البعضيات في باب التناقض من أن البعضيات لا سبيل على تناقضها لتعذر إزالة اختلافهما بالهوية مع كونها بعضيات: أعني غير معنيات، وأما المعينات والكليات فلها سبيل على التناقض للطريق الميسر على تحصيل اتحاد المحكوم له فيها وتحصيل اتحاد المحكوم به. أما اتحاد المحكوم له في المعينات فلا خفاء، وأما اتحاده في الكليات فالطريق على تحصيله وضع اللاكل في مقابلة الكل كقولنا: كل إنسان كاتب لا كل إنسان كاتب، وإن شئت بعض الناس ليس بكاتب أو إنسان ما ليس بكاتب لا تتفاوت ثلاثتها في معنى اللاكل إذا تأملت، ووجه حصول الاتحاد بذلك هو أن قولنا: كل إنسان كاتب معناه كل واحد واحد من الأناسي لا الكل المجتمع وقولنا إنسان كاتب معناه كل واحد ما من غير اشتراط الانفراد فهو داخل في كل واحد واحد وأنه أحدم، آحاد الأناسي. وأما تحصيل الاتحاد في المحكوم به فالطريق إليه فيما سوى الزمان النص عليه كقولنا: زيد كاتب للتورية بالقلم الفلاني بالقرطاس الفلاني للغرض الفلاني وما شاكل ذلك من القيود الفادحة في التناقض بسبب التفاوت فيها، ومن هذا يطلع على معنى قولي شروط التناقض أكثر مما يذكر، وأما الزمان فبتقدير تعذر الطريق على تعيين جزء من أجزائه يصنع نظير ما سبق بوضع الدوام في أحد الجانبين مرادا به كل واحد واحد من أجزاء الزمان بالاعتبار المذكور واللادوام في الجانب الآخر مرادا به بعض الأجزاء بالاعتبار المذكور من إلغاء اشتراط الانفراد، وهذا تلخيص كلام الأصحاب.
مفتاح العلوم · الصفحة ١٩٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٩٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي