تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظم للمعاني لطيف وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكرة في طلب المراد ولا التواء يشيك الطريق على المرتاد بل إذا جربت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تسابق معانيها ومعانيها تسابق ألفاظها، فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق على أذنك إلا ومعناها أسبق على قلبك. وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة، جارية على قوانين اللغة سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات، سليسة على الإسلاسات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة.

ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر ولا تظنن الآية مقصورة على ما ذكرت، فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت لأن المقصود لم يكن إلا مجرد الإرشاد لكيفية اجتناء ثمرات علمي المعاني والبيان، وأن لا علم في باب التفسير بعد علم الأصول أقرأ منهما على المرء لمراد الله تعالى من كلامه، ولا أعون على تعاطي تأويل مشتبهاته، ولا أنفع في درك لطائف نكته وأسراره ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه هو الذي يوفي كلام رب العزة من البلاغة حقه ويصون له في مظان التأويل ماءه ورونقه، ولكم آية من آيات القرآن تراها قد ضيمت حقها واستلبت ماءها ورونقها إن وقعت على من ليسوا من أهل هذا العلم فأخذوا بها في مآخذ مردودة وحملوها على محامل غير مقصودة، وهم لا يدرون، ولا يدرون أنهم يدرون، فتلك الآي من مآخذهم في عويل ومن محاملهم على ويل طويل " وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " ثم مع ما لهذا العلم من الشرف الظاهر والفضل الباهر لا ترى علما لقي من الضيم ما لقي ولا مني من سوم الخسف بما مني، أين الذي مهد له قواعد ورتب له شواهد وبين له حدودا يرجع إليها وعين له رسوما يعرج عليها، ووضع له أصولا وقوانين، وجمع له حججا وبراهين، وشمر لضبط متفرقاته ذيله، واستنهض في استخلاصها من الأيدي رجله وخيله، علم تراه أيادي سبا، فجزء حوته الدبور، وجزء حوته الصبا. انظر باب التحديد فإنه جزء منه في أيدي من هو، انظر باب الاستدلال فإنه جزء منه في أيدي من هو بل تصفح معظم أبواب أصول الفقه من أي علم هي ومن يتولاها، وتأمل في مودعات من مباني الإيمان ما ترى من تمناها سوى الذي تمناها، وعد ولكن الله جلت حكمته إذ وفق في تحريك القلم فيه عسى أن يعطى القوس باريها بحول منه عز سلطانه وقوته، فما الحول والقوة إلا به.

وإذ قد تقرر أن البلاغة بمرجعيها، وأن الفصاحة بنوعيها مما يكسو الكلام حلة التزيين ويرقيه أعلى درجات التحسين، فها هنا وجوه مخصوصة كثيرا ما يصار إليها لقصد تحسين الكلام، فلا علينا أن نشير على الأعرف منها، وهي قسمان: قسم يرجع على المعنى وقسم يرجع على اللفظ، فمن القسم الأول: المطابقة، وهي أن تجمع بين متضادين كقوله:

أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

وقوله علت كلمته " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء " وقوله " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا " وقوله " وتحسبهم أيقاظا وهم رقود " ومنه المقابلة، وهي أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما. ثم إذا شرطت هنا شرطا شرطت هناك ضده كقوله عز وعلا فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى " لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق جعل ضده، وهو التعسير مشتركا بين أضداد تلك، وهي المنع والاستغناء والتكذيب.

ومنه المشاكلة وهي أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقوله.

قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا

وقوله " صبغة الله " وقوله " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقوله ومكروا ومكر الله وقوله " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك " وقوله " يد الله مغلولة، بل يداه مبسوطتان " وقوله " وجزاء سيئة سيئة مثلها " ومنه مراعاة النظير، وهي عبارة عن الجمع بين المتشابهات كقوله:

وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غير النقط

مفتاح العلوم · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٨٤