القسم الثاني: في الاستعارة المصرح بها التخييلية مع القطع هي أن تسمى باسم صورة متحققة صورة عندك وهمية محضة تقدرها مشابهة لها مفردا في الذكر في ضمن قرينته مانعة عن حمل الاسم على ما يسبق منه على الفهم من كون مسماه شيئا متحققا، وذلك مثل أن تشبه المنية بالسبع في اغتيال النفوس وانتزاع أرواحها بالقهر والغلبة من غير تفرقة بين نفاع وضرار ولا رقة لمرحوم ومساس بقيا على ذي فضيلة تشبيها بليغا حتى كأنها سبع من السباع فيأخذ الوهم في تصويرها وفي صورة السبع واختراع ما يلازم صورته ويتم بها شكله من ضروب هيئات وفنون جوارح وأعضاء وعلى الخصوص ما يكون قوام اغتيال السبع للنفوس بها وتمام افتراسه للفرائس بها من الأنياب والمخالب، ثم تطلق على مخترعات الوهم عندك أسامي المتحققة على سبيل الإفراد بالذكر وأن تضيفها على المنية قائلا مخالب المنية أو أنياب المنية الشبيهة بالسبع ليكون إضافتها إليها قرينة مانعة من إجرائها على ما يسبق على الفهم منها من تحقق مسمياتها، أو مثل أن تشبه الحال إذا وجدتها دالة على أمر من الأمور بالإنسان الذي يتكلم فيعمل الوهم في الاختراع للحال ما قوام كلام المتكلم به، وهو تصوير صورة اللسان ثم تطلق عليه اسم اللسان المتحقق وتضيفه على الحال قائلا لسان الحال الشبيه بالمتكلم ناطق بكذا أو مثل أن تشبه حكما من الأحكام إذا صادفته واقعا بمشيئة امرئ وتابعا لرأيه كيف شاء بالناقة المنقادة التابعة لمستتبعها كيف أراد فتثبت له في الوهم ما قوام ظهور انقياد الناقة به واتباعها المستتبع وهو صورة الزمام فتطلق عليها اسم الزمام المتحقق قائلا زمام الحكم الشبيه بالناقة في اتباع المستتبع في يد فلان.
القسم الثالث: في الاستعارة المصرح بها المحتملة للتحقيق والتخييل هي كما ذكرنا أن يكون المشبه المتروك صالح الحمل على ما له تحقق من وجه وعلى ما لا تحقق له من وجه آخر، ونظيره قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله
أراد أن يبين أنه أمسك عما كان يرتكب أوان الصبا وقمع النفس عن التلبس بذاك معرضا الإعراض الكلي عن المعاودة لسلوك سبيل الغي وركوب مراكب الجهل فقال: وعرى أفراس الصبا ورواحله أي ما بقيت آلة من آلاتها المحتاج إليها في الركوب والارتكاب قائمة كأيما نوع فرضت من الأنواع حرقة أو غيرها متى وطنت النفس على اجتنابه ورفع القلب رأسا عن دق بابه وقطع العزم عن معاودة ارتكابه فيقل العناية بحفظ ما قوام ذلك النوع به من الآلات والأدوات فترى يد التعطيل تستولي عليها فتهلك وتضيع شيئا ف شيئا حتى لا تكاد تجد في أدنى مدة أثرا منها ولا عثيرا فبقيت لذلك معراة لا آلة ولا أداة، فحق قوله أفراس الصبا ورواحله أن يعد استعارة تخييلية لما يسبق على الفهم ويتبادر على الخاطر من تنزيل أفراس الصبا ورواحله منزلة أنياب المنية ومخالبها، وإن كان يحتمل احتمالا بالتكلف أن تجعل الأفراس والرواحل عبارة عن دواعي النفوس وشهواتها والقوى الحاصلة لها في استيفاء اللذات أو عن الأسباب التي قلما تتآخذ في اتباع الغي وجر أذيال البطالة إلا أوان الصبا، وكذلك علت كلمته " فأذاقها الله لباس الجوع " الظاهر من اللباس عند أصحابنا الحمل على التخييل وإن كان يحتمل عندي أن يحمل على التحقيق، وهو أن يستعار لما يلبسه الإنسان عند جوعه من انتقاع اللون ورثاثة الهيئة.