تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القسم الأول: في الاستعارة المصرح بها التحقيقية مع القطع هي إذا وجدت وصفا مشتركا بين ملزومين مختلفين في الحقيقة هو في أحدهما أقوى منه في الآخر وأنت تريد إلحاق الأضعف بالأقوى على وجه التسوية بينهما أن تدعى ملزوم الأضعف من جنس ملزوم الأقوى بإطلاق اسمه عليه وسد طريق التشبيه بإفراده في الذكر توصلا بذلك على المطلوب لوجوب تساوي اللوازم عند تساوي ملزوماتها فاعلا ذلك في ضمن قرينة مانعة عن حمل المفرد بالذكر على ما يسبق منه على الفهم كي لا يحمل عليه فيبطل الغرض التشبيهي بانيا دعواك على التأويل المذكور ليمكن التوفيق بين دلالة الإفراد بالذكر وبين دلالة القرينة المتمانعتين ولتمتاز دعواك عن الدعوى الباطلة. مثال ذلك أن يكون عندك شجاع وأنت تريد أن تلحق جراءته وقوته بجراءة الأسد وقوته فتدعي الأسدية له بإطلاق اسمه عليه مفردا له في الذكر فتقول رأيت أسدا كيلا يعد جراءته وقوته دون جراءة الأسد وقوته مع نصب قرينة مانعة عن إرادة الهيكل المخصوص به كيرمي أو يتكلم في الحمام، أو أن يكون عندك وجه جميل وأنت تريد أن تلحق وضوحه وإشراقه وملاحة استدارته بما للبدر فتدعيه بدرا بإطلاق اسمه عليه مع إفراده في الذكر قائلا نظرت على بدر يبتسم، أو أن يكون عندك عالم وأنت تريد إلحاق كثرة فوائده بعد ما جرت العادة على تشبيه فوائد العلماء بالفرائد بكثرة فرائد البحر فتدعيه بحرا سالكا في ذلك المسلك المعهود، أو أن تريد إلحاق عدل عادل في إباء التفاوت بالميزان أو بالقسطاس في ذلك فتدخله في جنس الميزان أو القسطاس قائلا ميزان أميرنا أو قسطاسه لا يقبل التفاوت، ومن الأمثلة استعارة اسم أحد الضدين أو النقيضين للآخر بواسطة انتزاع شبه التضاد وإلحاقه بشبه التناسب بطريق التهكم أو التمليح على ما سبق في باب التشبيه، ثم ادعاء أحدهما من جنس الآخر والإفراد بالذكر ونصب القرينة كقولك إن فلانا تواترت عليه البشارات بقتله ونهب أمواله وسبي أولاده، ويخص هذا النوع باسم الاستعارة التهكمية أو التمليحية.

واعلم أن قرينة الاستعارة ربما كانت معنى واحدا كالذي رأيت في الأمثلة المذكورة وربما كانت معاني مربوطا بعضها ببعض كما في قوله:

وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب

انظر حين أراد استعارة السحائب لا نأمل يمين الممدوح تفريعا على ما جرت به العادة من تشبيه الجواد بالبحر الفياض تارة وبالسحاب الهطال أخرى ماذا صنع ذكر أن هناك صاعقة ثم قال من نصله فبين أن تلك الصاعقة من نصل سيفه ثم قال على أرؤس الأقران ثم قال خمس فذكر العدد الذي هو عدد جميع أنامل اليد فجعل ذلك كله قرينة لما أراد من استعارة السحائب للأنامل. ومن الأمثلة استعارة وصف إحدى صورتين منتزعتين من أمور لوصف الأخرى مثل أن تجد إنسانا استفتى مسألة فيهم تارة بإطلاق اللسان ليجيب ولا يهم أخرى فتأخذ صورة تردده هذا فتشبهها بصورة تردد إنسان قام ليذهب في أمر فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا وتارة لا يريد فيؤخر أخرى ثم تدخل صورة المشبه في جنس صورة المشبه به روما للمبالغة في التشبيه فتكسوها وصف المشبه به من غير تغيير فيه بوجه من الوجوه على سبيل الاستعارة قائلا أراك آيها المفتي تقدم رجلا وتؤخر أخرى، وهذا نسميه التمثيل على سبيل الاستعارة ولكون الأمثال كلها تمثيلات على سبيل الاستعارة لا يجد التغيير إليها سبيلا فاعلم.

مفتاح العلوم · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٦٥