هو أن تعدي الكلمة عن مفهومها الأصلي بمعونة القرينة على غيره لملاحظة بينهما، ونوع تعلق نحو أن تراد النعمة باليد، وهي موضوعة للجارحة المخصوصة لتعلق النعمة بها من حيث أنها تصدر عن اليد، ومنها تصل على المقصود بها، وكذا إذا أردت القوة أو القدرة بها لأن القدرة أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وبها يكون البطش والضرب والقطع والأخذ والدفع والوضع والرفع، وغير ذلك من الأفاعيل التي تخبر فضل إخبار عن وجود القدرة وتنبئ عن مكانها أتم إنباء ولذلك تجدهم لا يريدون باليد شيئا لا ملابسة بينه وبين هذه الجارحة ونحو أن تراد المزادة بالرواية، وهي في الأصل اسم للبعير الذي يحملها للعلاقة الحاصلة بينها وبينه بسبب حمله إياها وأن يراد البعير بالحنض، وهو متاع البيت بنحو من الجهة المذكورة، ونحو أن يراد الرجل بالعين إذا كان ربيئة من حيث أن العين لما كانت المقصودة في كون الرجل ربيئة صارت كأنها الشخص كله، ونحو أن يراد النبت بالغيث كما يقولون رعينا غيثا لكون الغيث سببا، ونحو أو يراد الغيث بالسماء لكونه من جهتها يقولون أصابتنا السماء أي الغيث، ونحو أن يراد الغيث بالنبات كقولك: أمطرت السماء نباتا لكون الغيث سببا فيه أو بالسنام كقول من قال أسنمة الآبال في سحابه، ومن هذا تعرف وجه تفسير من فسر إنزال أزواج الأنعام في قوله تعالى " وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج " بإنزال الماء لا سيما إذا نظر على ما ورد من أن كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزله جل وعلا منها على الصخرة ثم يقسمه وقيل هذا معنى قوله " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض " ومما نحن فيه قوله " وينزل لكم من السماء رزقا " أي مطرا هو سبب الرزق وقوله " وفي السماء رزقكم " ومما ينخرط في هذا السلك هداه الله أي ألطف به وأضله الله أي خذله بمنع ألطافه لكونها في حقه عبثا وقوله عز سلطانه " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي " أي العناد المستلزم للنار، وقوله " إنما يأكلون في بطونهم نارا " لاستلزام أموال اليتامى إياها، وقول القائل: يأكلن كل ليلة أكافا أي علفا بثمن أكاف للتعلق بين ذلك العلف وبين الأكاف، وقولهم أكل فلان الدم أي الدية للتعلق بينهما. ومن أمثلة المجاز قوله تعالى " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " استعملت قرأت مكان أردت القراءة لكون القراءة مسببة عن إرادتها استعمالا مجازيا بقرينة الفاء في فاستعذ والسنة المستفيضة بتقديم الاستعاذة، ولا تلتفت على من يؤخر الاستعاذة فذلك لضيق العطن، وقوله " ونادى نوح ربه " في موضع أراد نداء به بقرينة فقال رب، وقوله " وكم من قرية أهلكناها " في موضع أردنا هلاكها بقرينة " فجاءها بأسنا والبأس الإهلاك، وقوله " وحرام على قرية أهلكناها " في موضع أردنا هلاكها بقرينة " أنهم لا يرجعون " أي عن معاصيهم للخذلان، ومنه " ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون " أي أردنا إهلاكها، إذ معنى الآية كل قرية أردنا إهلاكها لم يؤمن أحد منهم أفهؤلاء يؤمنون. وما أدل نظم الكلام على الوعيد بالإهلاك. أما ترى الإنكار في أفهم يؤمنون لا يقع في المحز إلا بتقدير ونحن على أن نهلكهم، وإنما حملت الامتناع عما ذكرت على ضيق العطن لأنه متى جرى فيما هو أبعد جريا مستفيضا يكاد يريك من إذا تكلم بخلافه كمن صلى لغير قبلة، أليس كل أحد يقول للحفار ضيق فم الركية، وعليه فقس والتضييق كما يشهد له عقلك الراجح هو التغيير من السعة على الضيق ولا سعة هناك إنما الذي هناك هو مجرد تجويز أن الحفار التوسعة فينزل مجوز مراده منزلة الواقع ثم يأمره بتغييره على الضيق، أما يجب أن يكون في الأقرب أجرى وأجرى وأمثال ذلك مما تعدى الكلمة بمعونة القرينة عن معناها الأصلي على غيره لتعلق بينهما بوجه قويا كان أو ضعيفا واضحا أو خفيا، وللتعلق بين الصارف عن فعل الشيء وبين الداعي على تركه يحتمل عندي أن يكون منعك في قوله علت كلمته " ما منعك أن لا تسجد " مرادا به ما دعاك على أن لا تسجد وأن يكون لا غير قرينة للمجاز، ونظيره ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن " ومن أمثلة المجاز المستثنى منه في باب الاستثناء، وتحقيق الكلام في ذلك مفتقر على التعرض للتناقض وسينشعب من علم المعاني شعبة تثمر المصير على ماله، وعليه فالرأي أن تؤخر الكلام في الاستثناء
مفتاح العلوم · الصفحة ١٦٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٦٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي