وأنت تعلم أن احتمال لاستقبال إنما يكون لصفات الذوات لا لأنفس الذوات لأن الذوات من حيث هي هي ذوات فيما مضى، وفي الحال وفي الاستقبال استلزم ذلك مزيد اختصاص لهل دون الهمزة بما يكون كونه زمانيا أظهر كالأفعال، ولذلك كان قوله عز وجل " فهل أنتم شاكرون " أدخل في الأنباء عن طلب الشكر من قولنا: فهل تشكرون، أو فهل أنتم تشكرون، أو أفأنتم شاكرون لما أن هل تشكرون مفيد للتجدد، وهل أنتم تشكرون كذلك وأفأنتم شاكرون وإن كان ينبئ عن عدم التجدد لكنه دون فهل أنتم شاكرن لما ثبت أن هل أدعى للفعل من الهمزة فترك الفعل معه يكون أدخل في الأنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد ولكون هل ادعى للفعل من الهمزة لا يحسن هل زيد منطلق إلا من كما البليغ ما لا يحسن نظير قوله ليبك يزيد ضارع لخصومه من كل أحد على ما سبق في موضعه والخطب مع الهمزة في نحو أزيد منطلق أهون. وأما ما ومن وأي وكم وأين وكيف وأنى ومتى وأيان، فمن النوع الأول من طلب حصول التصور على تفصيل بينهن لا بد من إيقافك عليه ليصح منك تطبيقها في الكلام على ما يستجوب فنقول، أما ما فللسؤال عن الجنس تقول ما عندك بمعنى أي أجناس الأشياء عندك وجوابه إنسان أو فرس أو كتاب أو طعام، وكذلك تقول ما الكلمة وما الاسم وما الفعل وما الحرف وما الكلام وفي التنزيل فما خطبكم بمعنى أي أجناس الخطوب خطبكم وفيه ما تعبدون من بعدي أي أي من في الوجود تؤثرونه في العبادة أو عن الوصف تقول ما زيد وما عمرو، وجوابه الكريم أو الفاضل وما شاكل ذلك، ولكون ما للسؤال عن الجنس وللسؤال عن الوصف وقع بين فرعون وبين موسى ما وقع لأن فرعون حين كان جاهلا بالله معتقدا أن لا موجود مستقلا بنفسه سوى أجناس الأجسام اعتقاد كل جاهل لا نظر له، ثم سمع موسى قال أنا رسول رب العالمين سأل بما عن الجنس سؤال مثله فقال وما رب العالمين كأنه قال أي أجناس الأجسام هو وحين كان موسى عالما بالله أجاب عن الوصف تنبيها على النظر المؤدي على العلم بحقيقته الممتازة عن حقائق الممكنات فلما لم يتطابق السؤال والجواب عند فرعون الجاهل عجب من حوله من جماعة الجهلة، فقال لهم ألا تستمعون، ثم استهزأ بموسى وجننه فقال " إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون " وحين لم يرهم موسى يفطنون لما نبههم عليه في الكرتين من فساد مسألتهم الحمقاء واستماع جوابه الحكيم غلظ في الثالثة، فقال " رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون " ويحتمل أن يكون فرعون قد سأل بما عن الوصف لكون رب العالمين عنده مشتركا بين نفسه وبين من دعاه إليه موسى في قوله " أنا رسول رب العالمين " لجهله وفرط عتوه وتسويل نفسه الشيطانية له ذلك الضلال الشنيع من ادعاء الربوبية وارتكاب أن يقول أنا ربكم الأعلى ونفخ الشيطان في خيشومه أولئك بتسليم البهائم له إياها وإذعانهم له بذلك وتلقيبهم إياه برب العالمين وشهرته فيما بينهم بذلك على درجات دعت السحرة إذ عرفوا الحق وخروا سجدا لله وقالوا آمنا برب العالمين على أن يعقبوه بقولهم رب موسى وهارون نفيا لاتهامهم أن يعنوا فرعون، وأن يكون ذلك السؤال من فرعون على طماعية أن يجري موسى في جوابه على نهج حاضريه لو كانوا المسئولين في وجهه بدله فيجعله المخلص لجهله بحال موسى وعدم اطلاعه على علو شأنه إذ كان ذلك المقام أول اجتماعه بموسى بدليل ما جرى فيه من قوله " أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين " فحين سمع المخلص لم يمكنه تعجب وعجب واستهزأ وجنن وتفيهق بما تفيهق من لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين " وأما من فللسؤال عن الجنس من ذوي العلم تقول من جبريل بمعنى أبشر هو أم ملك أم جني وكذا من إبليس ومن فلان،ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون " فمن ربكما يا موسى " أراد من مالككما ومدبر أمركما أملك هو أم جني أم بشر منكرا لأن يكون لهما رب سواه لادعائه الربوبية لنفسه ذاهبا في سؤاله هذا على معنى ألكما رب سواي ؟ فأجاب موسى بقوله " ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " كأنه قال نعم لنا رب سواك وهو الصانع الذي إذا سلكت الطريق الذي بين بإيجاده لما أوجد وتقديره إياه على ما قدر واتبعت فيه الخريت الماهر وهو العقل الهادي عن الضلال لزمك الاعتراف بكونه ربا وأن لا رب سواه وأن العبادة له مني ومنك ومن الخلق أجمع حق لا مدفع له. وأما أي
مفتاح العلوم · الصفحة ١٣٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٣٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي