وذكرت أيضا للاختصار والتطويل مقامات قد أرشدت بها على مناسباتها فما صادف من ذلك موقعه جد وإلا ذم وسمي الإيجاز إذ ذاك عيا وتقصيرا والإطناب إكثارا وتطويلا، والعلم في الإيجاز قوله علت كلمته " في القصاص حياة " وإصابته المحز بفضله على ما كان عند أوجز كلام في هذا المعنى وذلك قولهم القتل أنفى للقتل، ومن الإيجاز قوله تعالى " هدى للمتقين " ذهابا على أن المعنى هدى للضالين الصائرين على التقوى بعد الضلال لما أن الهدى أي الهداية إنما تكون للضال لا للمهتدي ووجه حسنه قصد المجاز المستفيض نوعه وهو وصف الشيء بما يئول إليه والتوصل به على تصدير أولى الزهراوين بذكر أولياء الله وقولهم فغشيهم من اليم ما غشيهم أظهر من أن يخفى حاله في الوجازة نظرا على ما ناب عنه وكذا قوله " ولا ينبئك مثل خبير " وانظر على الفاء التي تسمى فاء فصيحة في قوله تعالى " فتوبوا على بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم " كيف أفادت فامتثلتم فتاب عليكم " وفي قوله " فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت " مفيدة فضرب فانفجرت وتأمل قوله " فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى " أليس يفيد فضربوه فحيى فقلنا كذلك يحيي الله الموتى وقدر صاحب الكشاف رحمه الله قوله " ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله " نظرا على الواو في وقالا، ولقد أتينا داود وسليمان علما فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله، ويحتمل عندي أنه أخبر تعالى عما صنع بهما وأخبر عما قالا كأنه قال نحن فعلنا إيتاء العلم وهما فعلا الحمد تفويضا استفادة ترتب الحمد على إيتاء العلم على فهم السامع مثله في فم يدعوك بدل قم فإنه يدعوك وإنه فن من البلاغة لطيف المسلك ومن أمثلة الاختصار قوله تعالى " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " بطي أبحت لكم الغنائم لدلالة فاء التسبيب في فكلوا، وقوله " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " بطي إن افتخرتم يقتلهم فلم تقتلوهم أنتم فعدوا عن الافتخار لدلالة الفاء في فلم وكذا قوله " فإنما هر زجرة واحدة فإذا هم ينظرون " إذ المعنى إذا كان ذلك فما هي إلا زجرة واحدة وكذا قوله " فالله هو الولي " تقديره إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي بالحق ولا ولي سواه " وكذا قوله " يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون " أصله فإن لم يتأت أن تخلصوا العبادة لي في أرض فإياي في غيرها اعبدوا فاعبدون أي فأخلصوها لي في غيرها فحذف الشرط وعوض عنه تقديم المفعول مع إرادة الاختصاص بالتقديم وقوله " كلا فاذهبا بآياتنا " أي ارتدع عن خوف قتلهم فاذهبا أي فاذهب أنت وأخوك لدلالة كلا على المطوي، وقوله إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم " أصله إذ يلقون أقلامهم ينظرون ليعلموا أيهم يكفل مريم لدلالة أيهم على ذلك بوساطة علم النحو وقوله " ليحق الحق ويبطل الباطل المراد ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ما فعل " وكذا قوله " ولنجعله آية للناس " أصل الكلام ولنجعله آية للناس فعلنا ما فعلنا وكذا قوله " ليدخل الله في رحمته " أي لأجل الإدخال في الرحمة كان الكف ومنع التعذيب وقوله " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " إذا لم يفسر الحمل بمنع الأمانة والغدر، وأريد التفسير الثاني وهم تحمل التكليف كان أصل الكلام وحملها الإنسان ثم خان به منبها عليه بقوله " إنه كان ظلوما جهولا " الذي هو توبيخ للإنسان على ما هو عليه من الظلم والجهل في الغالب وقوله " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا " تتمته ذهبت نفسك عليهم حسرة فحذفت لدلالة فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " أو تتمته كمن هداه الله فحذفت لدلالة فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء " وقول العرب جاء بعد اللتيا والتي بترك صلة الموصول إيثارا للإيجاز تنبيها على أن المشار إليها باللتيا والتي وهي المحنة والشدائد بلغت من شدتها وفظاعة شأنها مبلغا يبهت الواصف معها حتى لا يحير ببنت شفة، ومن الإيجاز قوله عز قائلا " قل أتنبئونا لله بما لا يعلم " أي بما لا ثبوت له ولا علم الله متعلق به نفيا للملزوم وهو المنبأ به بنفي لازمه وهو وجوب كونه معلوما للعالم الذات لو كان له ثبوت بأي اعتبار كان وقوله " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم "
مفتاح العلوم · الصفحة ١٢٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١٢٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي